الانقسام العربي حول الدور الأمريكي – من الحقبة الناصرية إلى العدوان على إيران

الحلقة الأولى.
حسام الماجد.
لم يكن الانقسام العربي يومًا مجرد تباين عابر في المواقف السياسية، بل تبلور بوصفه بنية عميقة ومتجذّرة في الوعي الجمعي العربي، تمحورت ـ في أحد أبرز تجلياتها ـ حول الموقف من الولايات المتحدة ودورها في المنطقة بوصفها قوة مهيمنة في النظام الدولي. فمنذ خمسينيات القرن العشرين، ومع صعود المشروع القومي بقيادة جمال عبد الناصر، تَشَكَّل انقسام عربي بنيوي بين اتجاه يرى في المواجهة مع القوى الغربية امتدادًا لمعركة التحرر الوطني، واتجاه آخر تبنّى مقاربة انحيازية قائمة على التحالف مع الغرب وإدارة الاعتماد ضمن النظام الدولي الامبريالي.
هذا الانقسام لم يظل حبيس النخب السياسية أو الدبلوماسية، بل تسرّب تدريجيًا إلى البنى الاجتماعية والثقافية، ليُعاد إنتاجه داخل الخطاب الإعلامي، والمؤسسات الدينية، والمناهج التعليمية، وحتى في الذاكرة التاريخية المرتبطة بمحطات مفصلية مثل العدوان الثلاثي على مصر 1956، وحرب 1967، وحظر النفط 1973. وبهذا المعنى، لم يعد السؤال المطروح سياسيًا فقط، بل تحوّل إلى سؤال هوياتي يعكس أنماطًا متباينة في فهم العلاقة مع الخارج، وحدود الاستقلال، ومعنى السيادة.
تنبع أهمية دراسة هذا الانقسام من كونه لا يعبّر فقط عن اختلاف في الخيارات السياسية، بل عن صراع أعمق على تعريف الشرعية والمعنى داخل المجال العربي. فالموقف من الولايات المتحدة لم يعد مجرد تقدير استراتيجي، بل أصبح مؤشرًا على التموضع الأيديولوجي والثقافي، بل وحتى الأخلاقي، ضمن ثنائيات مثل: الاستقلال/التبعية، المقاومة/الواقعية، أو السيادة/الاعتماد، وهو ما يجعل هذا الانقسام أقرب إلى ما يصفه أنطونيو غرامشي بـ”الهيمنة”، حيث لا تُمارَس السيطرة عبر القوة المادية فقط، بل من خلال إنتاج تصوّرات للعالم تبدو طبيعية وبديهية، وتعيد تشكيل وعي الفاعلين الاجتماعيين.
في هذا الإطار، ما نسعى إليه في هذا البحث هو تحليل الانقسام العربي حول امريكا كقوة مهيمنة وطرف غير محايد إزاء قضايا الأمة، وبوصف هذا الانقسام بنية تاريخية ـ خطابية مستمرة، وليس مجرد استجابة ظرفية لتحولات دولية متعاقبة. وينطلق من فرضية مفادها أن هذا الانقسام يُعاد إنتاجه عبر تفاعل معقّد بين العوامل السياسية والاقتصادية والدينية، ضمن ما يمكن فهمه من خلال تقاطعات نظرية التبعية، التي تفسّر أنماط الإندماج غير المتكافئ في النظام العالمي، ومقاربة الهيمنة الثقافية التي تشرح كيف تُعاد صياغة الشرعية داخل المجتمعات.
وعليه، يطرح البحث مجموعة من الأسئلة المركزية:
كيف تشكّل هذا الانقسام تاريخيًا منذ الخمسينيات؟
وما هي الآليات الخطابية والمؤسسية التي ساهمت في ترسيخه؟
وكيف يُعاد إنتاجه في السياقات المعاصرة، رغم تغيّر الأدوات والفاعلين؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تسهم فقط في فهم ديناميات السياسة العربية، بل تفتح المجال لتحليل أعمق لكيفية تشكّل الوعي السياسي في المجتمعات التي تقع ضمن بنى اعتماد وهيمنة ممتدة، حيث تتداخل الدولة والمجتمع والخطاب في إنتاج مواقف تبدو ـ ظاهريًا ـ متناقضة، لكنها تعكس في جوهرها بنية تاريخية واحدة.
تبدأ هذه البنية مع اللقاء المؤسِّس بين فرانكلين روزفلت وعبد العزيز آل سعود في فبراير 1945 على متن الطراد كوينسي في قناة السويس. ورغم غياب معاهدة مكتوبة شاملة، فإن المراسلات اللاحقة ـ وخاصة رسالة روزفلت إلى الملك عبد العزيز بشأن فلسطين ـ تُظهر تفاهمًا سياسيًا ضمنيًا يقوم على تبادل المصالح: ضمان تدفق النفط واستقراره مقابل مظلة أمنية أميركية. هذا التفاهم تعمّق عبر الامتيازات النفطية التي مُنحت لشركات أميركية وتحوّلت لاحقًا إلى كيان أرامكو، حيث لم تكن العقود مجرد ترتيبات اقتصادية، بل نقطة ارتكاز لارتباط مؤسسي بين الاقتصاد السياسي السعودي والبنية الصناعية–الاستراتيجية الأميركية.
فقد شهدت العلاقات الأميركية ـ السعودية خلال الخمسينيات والستينيات تحوّلًا نوعيًا من شراكة ذات طابع نفطي ـ اقتصادي إلى بنية أكثر أمننة ومأسسة، وذلك في سياق الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب الباردة. وقد تجلّى هذا التحول في توقيع اتفاقية المساعدة الدفاعية المتبادلة عام 1951، التي أرست الإطار القانوني لتدفق السلاح الأميركي إلى المملكة، إلى جانب إنشاء بعثة التدريب العسكري الأميركية عام 1953، والتي اضطلعت بدور مركزي في إعادة تشكيل العقيدة العسكرية السعودية وتحديث بنيتها التنظيمية.
ولم يكن هذا التعاون مجرد دعم تقني، بل مثّل نمطًا من “الاعتماد الأمني المهيكل”، حيث تم دمج القدرات العسكرية السعودية تدريجيًا ضمن منظومة التسليح والتدريب الغربية، بما يعزز من قابلية التنسيق الاستراتيجي طويل الأمد.
ورغم ما شهدته هذه المرحلة من توترات سياسية، خاصة في ظل تصاعد القومية العربية والصراع الإقليمي، فإن العلاقة أظهرت درجة عالية من الانحياز والتبعية السعودية للولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، لم يؤدِ إنهاء الوجود العسكري الأميركي المباشر في قاعدة الظهران عام 1962 إلى تفكيك التعاون الدفاعي، بل جرى إعادة تشكيله عبر آليات أقل ظهورًا وأكثر استدامة، مثل برامج التدريب والمبيعات العسكرية (Vitalis ويعكس ذلك انتقال العلاقة من نمط “الوجود العسكري المباشر” إلى نمط “المساعدة الأمنية غير المباشرة”، وهو تحول يدل على عمق البنية المؤسسية التي باتت تحكمها.
بلغت هذه العلاقة اختبارها الأبرز في أعقاب حظر النفط 1973، الذي مثّل صدمة كبرى للنظام الاقتصادي العالمي وللعلاقات بين البلدين. ومع ذلك، لم يؤدِ الحظر إلى قطيعة استراتيجية، بل أعقبه مسار سريع لإعادة تثبيت العلاقة على أسس أكثر تعقيدًا وترابطًا. فقد برزت في هذا السياق آلية “إعادة تدوير العوائد النفطية” حيث أُعيد ضخ الفوائض المالية النفطية في الاقتصاد الأميركي عبر الاستثمارات وصفقات التسلح واسعة النطاق، مما أسهم في تعميق الترابط البنيوي بين الاقتصادين.
كما تمأسس التعاون عبر إنشاء اللجنة الاقتصادية المشتركة عام 1974، التي وسّعت نطاق العلاقة ليشمل نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المؤسسية داخل المملكة.
وعليه، تكشف هذه المرحلة التاريخية أن العلاقة الأميركية ـ السعودية لم تكن عرضة للانهيار بفعل الأزمات الظرفية، بل كانت قائمة على نمط من “الاعتماد المتبادل الوظيفي” الذي يدمج بين الأمن والطاقة والاقتصاد ضمن بنية استراتيجية واحدة. ومن هذا المنظور، فإن تجاوز أزمة 1973 لا يُفهم بوصفه استثناءً، بل كدليل على عمق الترابط البنيوي الذي يجعل من الصعب تفكيك هذه العلاقة حتى في ظل صدمات كبرى.
تبلغ هذه البنية درجة أعلى من المؤسسية في الثمانينيات مع صفقات تسليح كبرى ـ أشهرها صفقة طائرات الأواكس ـ والتي مثّلت نقلًا لقدرات استراتيجية حساسة وربطًا تشغيليًا بين القوات المسلحة. ثم جاءت نقطة التحوّل الحاسمة مع حرب الخليج 1990ـ 1991، حيث أدى انتشار القوات الأميركية في الأراضي السعودية والخليج إلى تحويل الضمانات الأمنية من التزام ضمني إلى حضور عسكري فعلي، تكرّس لاحقًا في شبكات قواعد وتسهيلات لوجستية واتفاقيات دفاعية ممتدة على مستوى مجلس التعاون.
في العقود التالية، تعمّق الارتباط عبر صفقات تسليح ضخمة ومتكررة (إف 15، وباتريوت وثاد)، وبرامج تدريب مشتركة، وآليات تشاور مؤسسية، إضافة إلى أدوار مباشرة للولايات المتحدة في تأمين الممرات البحرية وحماية البنية التحتية للطاقة. هذه العناصر مجتمعة تشكّل ما يمكن تسميته “نظام أمن إقليمي شبه مُؤسَّس حول القوة الأميركية”، حيث لا يقتصر التعاون على شراء السلاح، بل يمتد إلى العقيدة القتالية، والإنذار المبكر، والدفاع الصاروخي، وتبادل المعلومات.
الدلالة التحليلية لهذا المسار تتجاوز صيغة “النفط مقابل الأمن”. فالأدق أننا أمام حالة تشابك بنيوي تولّد عنها ثلاثة آثار رئيسية. أولًا، تقييد مجال الاختيار الاستراتيجي إذ يصبح الانفكاك مكلفًا بسبب الاعتماد على التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والتدريب، ما يخلق ميلاً للاستمرارية حتى عند تغيّر السياقات. ثانيًا، إعادة تعريف إدراك التهديد: تُقرأ المخاطر الإقليمية ـ من العراق سابقًا إلى إيران لاحقًا ـ ضمن عدسة تحالفية تجعل واشنطن شريكًا شبه ضروري في موازنة القوى. ثالثًا، تأثير ارتدادي على المواقف الإقليمية: إذ ينعكس هذا الارتباط على ملفات مثل العلاقة مع الكيان الاسرائيلي، وسياسات الطاقة، وإدارة الأزمات، بحيث تُصاغ الخيارات ضمن حدود ما يسمح به إطار التحالف.
إن ما قيل عن توترات دورية في العلاقة السعودية الاميركية لا سيما في 1973، ما بعد 11 سبتمبر، أو الخلافات حول سياسات الطاقة أو حقوق الإنسان، وكذلك محاولات تنويع للشركاء (أوروبا، الصين)، لا تعدو كونها سحابة صيف عابرة، أو محاولة سعودية لإلفات الانتباه للحليف الأميركي من أجل زيادة الاهتمام بالشريك السعودي. وحتى في فترات ما قيل عن “توتر” فإن العلاقات الاستراتيجية بقيت راسخة، ولم تُفضِ إلى كسر البنية، بل إلى إعادة معايرتها. الخلاصة أن “الوثائق” والاتفاقات منذ 1945 لم تكن مجرد نصوص تقنية، بل بنت طبقات متراكمة من الاعتماد المتبادل والمؤسسية الأمنية، ما جعل الاصطفاف السياسي طويل الأمد ليس خيارًا ظرفيًا، بل نتيجة لبنية تحالف راسخة تعيد إنتاج نفسها مع كل أزمة إقليمية.
على أية حال، فإن العالم العربي شهد منذ الخمسينيات انقسامًا حادًا حيال امريكا ودورها في المنطقة والعالم، وبتنا أمام محورين متمايزين على النحو الآتي:
أولًا: المحور العروبي:
مع صعود جمال عبد الناصر بعد ثورة يوليو 1942، تبلور مشروع عروبي تحرري رفع شعارات الاستقلال الوطني، ومناهضة الاستعمار، ورفض الهيمنة الغربية، وفي مقدمتها الأميركية. فقد مثّل صعود عبد الناصر نقطة تحوّل مفصلية في بنية النظام العربي. فقد تبنّى مشروعًا عروبيًا تحرريًا قائمًا على:
ـ الاستقلال عن الهيمنة الغربية
ـ دعم حركات التحرر
ـ إعادة تعريف الشرعية السياسية على أساس شعبي
فلم يكن صعود جمال عبد الناصر مجرد انتقال في السلطة داخل مصر، بل مثّل لحظة تأسيسية أعادت صياغة موقع العالم العربي داخل النظام الدولي في سياق الحرب الباردة. فقد سعت الناصرية إلى تفكيك علاقات التبعية التي كرّستها المرحلة الاستعمارية، وطرحت تصورًا للاستقلال يتجاوز البعد السياسي إلى الاقتصادي والاستراتيجي.
وقد تجلّى هذا التوجّه بوضوح في تأميم قناة السويس عام 1956، والذي شكّل تحدّيًا مباشرًا للنفوذ البريطاني ـ الفرنسي، وأدّى إلى العدوان الثلاثي على مصر 1956. وقد عدّت هذه الأزمة نقطة تحوّل في تراجع الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية وصعود الفاعلين ما بعد الاستعماريين.
في السياق ذاته، جاء رفض الأحلاف العسكرية الغربية، وعلى رأسها حلف بغداد، تعبيرًا عن رؤية ناصرية تعد هذه الأحلاف أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة ضمن إطار الحرب الباردة، وهو ما يتقاطع مع مفهوم “الاستعمار الجديد” في الأدبيات النقدية.
أما دعم حركات التحرر، فقد شكّل ركيزة مركزية في السياسة الخارجية المصرية، حيث دعمت القاهرة حركات الاستقلال في الجزائر واليمن وأفريقيا. وقد تلاقى ذلك مع صعود حركة عدم الانحياز، التي وفّرت إطارًا جماعيًا لدول الجنوب العالمي الساعية إلى الاستقلال عن الاستقطاب الدولي.
الأهم من ذلك، أن الناصرية أعادت تعريف الشرعية السياسية على أساس شعبي -كاريزمي، بدلًا من الشرعية التقليدية المرتبطة بالنخب الملكية. ويمكن فهم ذلك في ضوء تحليل ماكس فيبر لمفهوم الشرعية الكاريزمية، حيث تحوّل عبد الناصر إلى رمز عابر للحدود القُطرية داخل المجال العربي.
تحليليًا، يمكن فهم الناصرية أيضًا كجزء من محاولة أوسع لإعادة توزيع القوة عالميًا لصالح دول “الأطراف”، وهو ما يتقاطع مع أدبيات نظرية التبعية ونظرية النظام العالمي في تفسير علاقات المركز/الأطراف.
ثانيًا: المحور التقليدي: في مقابل المحور الناصري تشكّل محور إقليمي قادته المملكة السعودية، اتخذ موقفًا مغايرًا، قائمًا على التحالف مع الغرب، واعتبار المدّ القومي تهديدًا لبنية الأنظمة التقليدية.
وقد ارتبط هذا المحور في مرحلة مبكرة بعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة. تعود الجذور التأسيسية لهذه العلاقة إلى اللقاء الذي جمع بين فرانكلين روزفلت وعبد العزيز آل سعود على متن البارجة يو إس إس كوينسي عام 1945، والذي أرسى ما أصبح يُعرف لاحقًا بمعادلة “الأمن مقابل النفط”؛ أي ضمان تدفق النفط مقابل توفير الحماية الأمنية للنظام.
هذه المعادلة لم تكن مجرد تفاهم ثنائي، بل شكّلت نواة لتموضع استراتيجي أوسع داخل النظام الإقليمي، حيث تبنّت الأنظمة المحافظة مقاربة مناقضة تجاه الصراع مع الغرب، مفضّلة التماهي مع المشروع الغربي والتحالفات الأمنية على سياسات المواجهة الثورية التي مثّلتها الناصرية .
بلغ هذا التباين ذروته خلال العدوان الثلاثي على مصر 1956، الذي مثّل لحظة كاشفة لانقسام عربي بنيوي. فمن جهة، رأت مصر الناصرية ومعها تيارات قومية عربية في المواجهة مع القوى الغربية امتدادًا لمعركة التحرر الوطني، وسعت إلى تعبئة الرأي العام العربي ضد ما عُدَّ “عدوانًا إمبرياليًا”.
في المقابل، تبنّت السعودية وبعض الأنظمة العربية المحافظة موقفًا أكثر حذرًا، اتسم بعدم الانخراط المباشر في التصعيد، بل وفي بعض الحالات بالتحفظ أو التوجس من صعود الناصرية نفسها، نظرًا لما مثّلته من تهديد أيديولوجي لبُنى الشرعية التقليدية القائمة على الملكية والتحالفات الدولية
تحليليًا، لا يمكن فهم هذا الانقسام فقط كاختلاف في المواقف السياسية، بل كصراع بين نموذجين للشرعية ولإدارة العلاقة مع النظام الدولي:
ـ نموذج “تحرري- ثوري” يسعى إلى فك الارتباط مع الغرب
ـ نموذج “محافظ ـ رجعي” يفضّل إعادة التكيّف ضمن بنية النظام الدولي
وهو ما سيؤسس لاحقًا لما يسميه بعض الباحثين “الانقسام العربي البنيوي” خلال الحرب الباردة.
فالمحور الاقليمي الذي قادته السعودية ارتكز على:
ـ التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة
الحفاظ على البنى السياسية التقليدية
مواجهة المدّ القومي باعتباره تهديدًا وجوديًا
وعلاوة على الصراع في ذروته الرمزية والعسكرية حيث عزّزت المواجهة موقع عبد الناصر كرمز للتحرر، في مقابل ترسيخ الانقسام العربي حول العلاقة مع الغرب، فقد شهدت هذه المرحلة توظيف الدين في الصراع السياسي، حيث صدرت مواقف وفتاوى من مؤسسات دينية محافظة ضد الناصرية، وصلت إلى حدّ التكفير، ما أضفى على الانقسام طابعًا عقائديًا يتجاوز السياسة.
فلم يكن الصراع بين هذين التيارين سياسيًا فقط، بل سرعان ما اكتسب بعدًا أيديولوجيًا ودينيًا، تجلّى في فتاوى ومواقف دينية بلغت حدّ تكفير عبد الناصر، بما يعكس انتقال الخلاف من حيز السياسة إلى ميدان الشرعية والهوية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الانقسام مجرد اختلاف في السياسات، بل أصبح انقسامًا في تصور العالم ذاته: بين مشروع استقلالي وآخر محافظ متحالف مع القوة الدولية الصاعدة.
ترسّخ الانقسام ـ من النخبة إلى الوعي الجمعي
مع مرور الوقت، لم يبقَ الانقسام حول أمريكا بين المشروع الناصري والمحور السعودي المحافظ حبيس النخب السياسية، بل تسرّب تدريجيًا إلى البنية الاجتماعية، ليُعاد إنتاجه داخل الوعي الجمعي. وهنا تحوّل الصراع من خلاف في السياسات إلى انقسام هوياتي يعيد تعريف الانتماء ذاته: هل الفرد جزء من مشروع “الاستقلال” والتحرر من الهيمنة، أم من منظومة “التحالف” والاستقرار ضمن النظام الدولي؟
فالموقف من الولايات المتحدة بات معيارًا ضمنيًا لتحديد الانتماء السياسي والأيديولوجي: هل أنت مع العروبة أو “الغرب”، أي مع “الاستقلال” أم مع “التبعية”؟ مع “المقاومة” أم مع “الواقعية السياسية”؟. وهذا الانقسام لم يلغِ وجود مساحات رمادية، لكنه خلق ثنائيات حادة ظلّت فاعلة حتى في لحظات التحولات الكبرى.
ضمن هذا السياق، لم يعد الموقف من الولايات المتحدة مجرد خيار دبلوماسي، بل أصبح مؤشرًا رمزيًا على التموضع الأيديولوجي: هل تُفهم كحليف استراتيجي يضمن الأمن، أم كقوة هيمنة تعيد إنتاج التبعية؟ هذا الاستقطاب يعكس ما يسميه بندكت أندرسون بـ”الجماعات المتخيّلة”، حيث تُبنى الهوية عبر سرديات مشتركة تُنتجها الدولة والنخب الثقافية، وليس فقط عبر التجربة المباشرة.
وقد تغذّى هذا الوعي عبر ثلاث قنوات رئيسية:
ـ الإعلام الرسمي: الذي لعب دورًا مركزيًا في بناء سرديات متعارضة؛ من خطاب تعبوي ثوري في الحالة الناصرية، إلى خطاب محافظ يركّز على الاستقرار والتحالفات .
ـ الخطاب الديني: الذي أسهم في تأطير الصراع ضمن ثنائيات شرعية/لا شرعية، كما سبق بيانه، ما منح الانقسام بعدًا معياريًا عميقًا.
ـ المناهج التعليمية: التي أعادت إنتاج هذه السرديات عبر الأجيال، من خلال تأطير التاريخ الحديث وفق تصورات مختلفة للعلاقة مع الغرب.
كما لعبت التجارب التاريخية الكبرى دورًا حاسمًا في ترسيخ هذا الانقسام داخل الوعي الشعبي، مثل هزيمة 1967، التي شكّلت صدمة للخطاب القومي، وأعادت فتح المجال أمام مشاريع بديلة؛ وكذلك استخدام النفط كسلاح سياسي في حظر النفط 1973، ثم التحولات اللاحقة المرتبطة باتفاقيات السلام مع الكيان الاسرائيل ، والتي أعادت رسم حدود المقبول سياسيًا وشعبيًا .
في هذا المستوى، تتجلى الهيمنة في معناها الكامل كما صاغه أنطونيو غرامشي: فهي لا تقوم فقط على السيطرة المباشرة، بل على إنتاج تصور للعالم يُقدَّم بوصفه طبيعيًا وبديهيًا. أي أن الأفراد لا يتبنون مواقفهم باعتبارها خيارات أيديولوجية صراعية، بل كحقائق “واضحة” حول ما هو ممكن وما هو مشروع.
وبذلك، يصبح الانقسام أكثر رسوخًا واستدامة، لأنه ينتقل من مستوى السياسة القابلة للتفاوض إلى مستوى الوعي والهوية، حيث يصعب تفكيكه دون إعادة إنتاج شاملة للخطاب والمعنى داخل المجتمع.
خلال الحرب الباردة العربية وما بعدها، لم يكن الموقف من الولايات المتحدة مجرد خيار في السياسة الخارجية، بل تحوّل إلى مؤشّر رمزي مكثّف يُستخدم لتصنيف الفاعلين سياسيًا وأيديولوجيًا ضمن ثنائيات معيارية (استقلال/تبعية، مقاومة/اعتدال، عروبة/غرب).
من الانقسام السياسي إلى البنية الثقافية
لم يبقَ الانقسام حول العلاقة مع امريكا في إطار النخب، بل تحوّل تدريجيًا إلى جزء من الوعي الجمعي العربي. وأصبح الموقف من أمريكا معيارًا ضمنيًا لتصنيف الفاعلين:
ـ معسكر الاستقلال: يرى في واشنطن قوة هيمنة وإعادة إنتاج للاستعمار
ـ معسكر التحالف: ينظر إليها كضامن للاستقرار ومصدر للحماية
ـ هزيمة 1967 والتداعيات التي تركتها على الشارع العربي وإعادة تشكّل الوعي الجمعي على أساس نتائج هذه الهزيمة.
ـ التحولات النفطية في السبعينيات والنتائج التي تركتها على العلاقة المستقبلية بين السعودية والولايات المتحدة على المستوى الاقتصادي والسياسي والامني والعسكري.
ـ اتفاقيات السلام مع الكيان الاسرائيلي منذ العام 1977 مع مصر وتاليًا مع الاردن.. في إعادة تشكيل هذا الانقسام دون أن تلغيه، بل زادت من تعقيده.
أزمة الخليج (1990–1991) – الانقسام في لحظة اختبار بنيوي
شكّلت أزمة غزو الكويت عام 1990، وما أعقبها من تدخل عسكري بقيادة الولايات المتحدة، لحظة مفصلية في تاريخ النظام الرسمي العربي المعاصر، ليس فقط بوصفها أزمة سيادة بين دولتين عربيتين، بل كـ”اختبار بنيوي” أعاد تعريف معايير الشرعية، والتحالف، ومصادر التهديد. فبينما تشكّل إجماع عربي رسمي على إدانة الاحتلال العراقي للكويت، سرعان ما انكشفت انقسامات عميقة حول مشروعية الاستعانة بالقوة الأميركية لتحريرها.
في هذا السياق، برز تياران رئيسيان:
أولًا ـ تيار مؤيد: كان ينظر إلى التدخل العسكري الاميركي كضرورة لإعادة الشرعية الدولية، وكضرورة استراتيجية لاستعادة السيادة الكويتية وحماية بنية الدولة الخليجية، مستندًا إلى منطق “الأمن مقابل السيادة”، حيث تُقدَّم الحماية الخارجية كخيار اضطراري في ظل اختلال موازين القوى الإقليمية.
ثانيًا ـ تيار معارض: رأى فيه تكريسًا للهيمنة العسكرية الأميركية، وهو تيار قومي ـ ثوري (امتد إلى قطاعات من الإسلاميين) عدّ هذا التدخل تكريسًا لنمط الهيمنة الغربية وإعادة إنتاج لعلاقات التبعية، حتى مع إدانته الصريحة للاحتلال العراقي، ما يعكس مفارقة معيارية بين رفض العدوان ورفض الاستعانة بالخارج.
وقد تميّزت هذه المرحلة بظاهرتين مهمتين:
ـ انقسام التيار الإسلامي نفسه (بين مؤيّد ومعارض للوجود الأميركي)
ـ تبلور ثنائية “الخليجي ـ العربي”، حيث بدت مواقف دول الخليج الرسمية متباينة مع قطاعات واسعة من الرأي العام العربي.
وتشير أدبيات مثل حرب الخليج والنظام العالمي الجديد إلى أن الحرب لم تكن مجرد استجابة لخرق قانوني، بل جاءت في سياق إعادة تشكيل “النظام الدولي الجديد” بعد الحرب الباردة، حيث تمّ توظيف الأزمة لترسيخ الحضور العسكري الأميركي طويل الأمد في الخليج. كما يذهب إلى أن القرار العربي بالاستعانة بالولايات المتحدة عكس هشاشة النظام الإقليمي وعجزه عن إنتاج آليات أمن جماعي ذاتية.
أما على مستوى التحليل السياسي، كشفت الأزمة عن “ازدواجية الشرعية” في النظام العربي: شرعية قانونية ـ دولتية من جهة، وشرعية شعبية ـ قومية من جهة أخرى، وهو ما يفسّر التباين بين المواقف الرسمية الخليجية ومواقف قطاعات واسعة من الرأي العام العربي.
ولم يقتصر هذا الانقسام على التيارات القومية، بل امتد بوضوح إلى الحقل الإسلامي، حيث انقسمت المرجعيات بين من أفتى بجواز الاستعانة بالقوات الأجنبية تحت مبدأ “الضرورة” و”دفع الصائل”، كما في مواقف عبد العزيز بن باز، وبين تيار آخر رفض ذلك باعتباره انتهاكًا لسيادة “دار الإسلام” وتمكينًا لقوى غير مسلمة من السيطرة العسكرية على أراضٍ إسلامية، وهو ما تجلّى لاحقًا في أدبيات الحركات الجهادية.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن أزمة الخليج لم تُنتج مجرد انقسام ظرفي، بل أسست لانقسام بنيوي يمكن توصيفه بـ”الانقسام الخليجي ـ العربي”، حيث تمايزت أولويات دول الخليج الأمنية المرتكزة على بقاء الدولة واستقرارها، عن أولويات قطاعات واسعة من الرأي العام العربي التي ظلّت تؤطّر الصراع ضمن ثنائية الاستقلال/التبعية ومقاومة الهيمنة. وقد أسهم هذا التمايز في إعادة تشكيل أنماط التحالف، وأعاد تعريف العلاقة بين الداخل والخارج في معادلة الأمن الإقليمي، وهي ديناميات ستتعمّق لاحقًا في أزمات ما بعد 2003.
اللحظة الراهنة ـ العدوان على إيران وعودة الثنائية
في العقدين الأخيرين، في ظل الحروب الأميركية في المنطقة، من العراق إلى سوريا واليمن، استمر هذا الانقسام، لكنه أخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، متداخلًا مع اعتبارات طائفية وإثنية حاولت بعض الأطراف توظيفها لإعادة تعريف الصراع. إلا أن هذه المحاولات ـ رغم حدّتها ـ لم تنجح في إلغاء العنوان المركزي للانقسام، الذي بقي يدور حول محورين رئيسيين:
ـ الولايات المتحدة كقوة مهيمنة
ـ وفلسطين كقضية معيارية جامعة.
مع التصعيد المباغت المرتبط بالعدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران، عاد الانقسام العربي إلى الواجهة، لكن بصيغة مألوفة: اصطفاف خليجي رسمي يميل ـ بدرجات متفاوتة ـ إلى الموقف الأميركي، في مقابل مزاج عربي أوسع أكثر حساسية تجاه مسألة الهيمنة والتدخل الخارجي.
ورغم محاولات بعض الخطابات الخليجية، الرسمية والنخبوية، تأطير الصراع ضمن محدّدات طائفية أو قومية (عربية ـ فارسية)، فإن هذا التأطير لم ينجح في طمس البعد الجوهري للصراع، الذي لا يزال يُقرأ ـ في وعي قطاعات واسعة من العرب ـ بكونه امتدادًا لصراع مع مشروع هيمنة أميركي ـ إسرائيلي.
في ضوء التصعيد الإقليمي الحاد المرتبط بالعدوان على ايران والذي انتهى إلى ما يمكن توصيفه بـ”هدنة هشة” بعد فترة من المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة ـ عاد الانقسام العربي إلى الواجهة بصيغة مألوفة، تعكس استمرارية البنى العميقة للنظام الإقليمي منذ حرب الخليج.
فعلى المستوى الرسمي، مالت دول خليجية إلى تبني مقاربات أمنية متقاربة مع الاستراتيجية الأميركية، سواء عبر الدعم السياسي أو الانخراط غير المباشر، في إطار ما تصفه أدبيات السياسة الدولية لدول الخليج بمنطق “أمن النظام” والاعتماد على الموازنة الخارجية لمواجهة التهديدات الإقليمية. ويؤكد هذا النمط ما تطرحه العلاقات الدولية لغرب آسيا حول استمرار اعتماد بنية الأمن الإقليمي في غرب آسيا على الفاعلين الدوليين.
لقد كشفت اتجاهات الرأي العام العربي عن فجوة مستمرة بين الرسمي والشعبي، حيث بقي قطاع واسع من الجمهور أميل إلى قراءة أي تصعيد مع إيران ضمن إطار أوسع يتعلق بالهيمنة الآميركية الامبريالية والتدخل الخارجي، وليس فقط ضمن اعتبارات التهديد الإقليمي المباشر.
إن محاولة إعادة تأطير هذا الصراع على قاعدة طائفية أو قومية للهرب من التصنيف التقليدي بين قومي وتحرري مناهض للاستعمار الأميركي كون السعودية وحلفها يخرج خاسرًا من هذا التصنيف، اختارت عن طواعية الى تبريز خطابات سياسية وإعلامية تسعى إلى تقديم الصراع ضمن ثنائيات طائفية (سني/شيعي) أو قومية (عربي/فارسي). غير أن هذه المقاربات تندرج ضمن ما تصفه أدبيات التطييف بوصفها عملية تسييس للطائفية تُستخدم لإعادة تعريف الصراع وتعبئة الحلفاء، أكثر من كونها تعبيرًا عن انقسام جوهري أصيل.
كما يمكن قراءة هذا المسار عبر مفهوم “الأمننة” بحسب باري بوزان، حيث تُعاد صياغة إيران كتهديد وجودي لتبرير سياسات استثنائية، بما في ذلك الانخراط في ترتيبات أمنية تقودها قوى خارجية. إلا أن نجاح هذه العملية يظل جزئيًا، نظرًا لاصطدامها بسرديات راسخة في الوعي العربي حول السيادة ورفض الهيمنة.
وعليه، فإن ما أفرزته “الهدنة الهشة” لا يتمثل فقط في وقف مؤقت للعمليات، بل في إعادة إنتاج ثنائية بنيوية قديمة:
رسميًا: أولوية الأمن والتحالفات الدولية.
شعبيًا: أولوية الاستقلال ورفض التدخل الخارجي.
وهي الثنائية التي تستمر في إعادة تشكيل المشهد العربي مع كل موجة تصعيد كبرى، بما يؤكد أن الانقسام الراهن ليس استثناءً، بل امتداد تاريخي لنمط متكرر في بنية النظام الإقليمي.
مفارقة الخليج ـ بين الرسمي والشعبي (تفكيك بنيوي)
تكشف التجربة الخليجية عن مفارقة مركّبة لا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف آراء، بل تعبّر عن ازدواجية بنيوية في إنتاج الموقف السياسي بين الدولة والمجتمع. فمن جهة، تتبنّى الدولة ـ خاصة في لحظات الأزمات الإقليمية ـ مقاربات أمنية براغماتية تميل إلى الاندماج في ترتيبات تقودها الولايات المتحدة، انطلاقًا من أولوية “أمن النظام”. ومن جهة أخرى، يستمر داخل المجال المجتمعي ـ وإن بحدود متفاوتة ـ تيار عروبي/سيادي مناهض للهيمنة الخارجية، يستند إلى سرديات تاريخية حول الاستقلال ومقاومة التدخل الأجنبي.
هذا التيار ليس هامشيًا بالمعنى السوسيولوجي؛ إذ تشير دراسات الرأي العام إلى حضور اتجاهات نقدية واسعة تجاه السياسات الأميركية في المنطقة، حتى داخل المجتمعات المتحالفة رسميًا مع واشنطن. غير أن تأثير هذا التيار يظل محدودًا سياسيًا، بسبب بنية المجال العام وآليات الضبط المؤسسي. فيما عبّر 80% في دول مثل مصر والاردن (المطبّعتان مع الكيان الاسرائيلي) عن موقف سلبية إزاء الولايات المتحدة.
ولكن الأدبيات لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تفسّرها، وأن السبب المركزي ليس “ثقافيًا”، بل:
ـ رفض الهيمنة الأميركية
ـ الاستياء من التدخل في الشؤون الداخلية
ـ دعم إسرائيل والنظام الإقليمي القائم.
كما تشير استطلاعات حديثة إلى تراجع حاد في صورة الولايات المتحدة في الوعي العربي، بما يعكس فجوة متزايدة بين المواقف الرسمية والتحولات في الرأي العام.
لاغرو أن هذا التراجع يضر بصورة الانظمة الخليجية قاطبة المتحالفة مع الولايات المتحدة، وهذا يفسّر لجوء هذه الانظمة الى أداة التطييف. ويمكن هنا التوقف عند انكسار التيار المعادي للولايات المتحدة عن طريق تصعيد الخطاب الطائفي في الخليج بع
أيام من اندلاع الحرب الاميركية الاسرائيلية على ايران، والذي يمكن تفسيره لا بوصفه انعكاسًا تلقائيًا لانقسامات هوياتية راسخة، بل ينبغي فهمه كأداة استراتيجية ضمن عملية أوسع لإعادة ترميز الصراع، حيث يُعاد تعريف طبيعة التهديدات وأولوياتها في سياقات التصعيد الجيوسياسي، خصوصًا تلك المرتبطة بالعلاقة المركبة بين دول الخليج من جهة، والولايات المتحدة وإيران من جهة أخرى. تنطلق الإشكالية من ملاحظة أن لحظات التوتر الإقليمي، ولا سيما حين تكون الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا أو غير مباشر في الصراع، تواكبها في كثير من الأحيان موجات مكثفة من الخطاب الطائفي، بما يطرح سؤالًا حول العلاقة الوظيفية بين هذين المستويين: الجيوسياسي والهوياتي. وبناءً على ذلك، نفترض أن الطائفية تُستخدم كآلية لإعادة توجيه إدراك التهديد، عبر نقل مركزه من الخارج ـ حيث يمكن أن يتبلور عداء شعبي واسع للسياسات الأميركية أو الإسرائيلية ـ إلى الداخل أو الإقليم، حيث يُعاد تأطير التهديد في صورة “آخر” طائفي مرتبط بإيران أو فاعلين محليين يُنظَر إليهم كامتدادات لها.
يرتكز هذا التصور على دمج مقاربتين نظريتين أساسيتين؛ الأولى هي مقاربة التطييف كما طوّرها نادر هاشمي وداني بوستل، والتي ترى أن الطائفية ليست معطىً بنيويًا ثابتًا، بل عملية سياسية ديناميكية تُنتج ويُعاد إنتاجها من خلال تفاعلات الدولة والنخب والفاعلين الإقليميين، بحيث تُستخدم لإعادة رسم حدود الإنتماء والولاء داخل المجتمع. أما المقاربة الثانية فهي نظرية الأمننة، التي تفترض أن التهديدات لا تُكتشف بوصفها معطيات موضوعية جاهزة، بل تُبنى خطابيًا من خلال ممارسات “الأمننة” التي يحوّل فيها الفاعلون السياسيون قضايا معينة إلى مسائل أمن قومي تستدعي إجراءات استثنائية. من خلال هذا الدمج، يصبح الخطاب الطائفي أداة مزدوجة الوظيفة: فهو من جهة يعيد إنتاج الانقسام الهوياتي، ومن جهة أخرى يضفي طابعًا أمنيًا على هذا الانقسام، بما يسمح بتبرير سياسات الضبط والسيطرة.
ضمن هذا الإطار، يُدرك مفهوم “إعادة ترميز الصراع” بوصفه العملية المركزية التي يتم من خلالها تحويل طبيعة الصراع من صراع جيوسياسي ذي أبعاد استراتيجية ـ تتمحور حول علاقات القوة الدولية والإقليمية ـ إلى صراع هوياتي طائفي يُعاد فيه تعريف الفاعلين والأعداء وفق خطوط انقسام مذهبية. هذه العملية لا تقتصر على إعادة تسمية الأطراف، بل تنطوي على إعادة بناء منظومة كاملة من الثنائيات المعيارية، حيث تُستبدل ثنائيات مثل “الاستقلال/التبعية” أو “مناهضة الإمبريالية/التحالف معها” بثنائيات من قبيل “سني/شيعي”، “وطني/عميل”، أو “استقرار/فوضى”. وبهذا المعنى، فإن الطائفية لا تعمل فقط كأداة استقطاب، بل كآلية لإعادة تنظيم المجال الإدراكي والسياسي، بحيث تصبح بعض التهديدات أكثر بروزًا وإلحاحًا من غيرها، حتى لو كانت أقل تأثيرًا من الناحية الموضوعية.
يتجسد النموذج التفسيري لهذا الإطار في سلسلة سببية تبدأ بسياق تصعيد إقليمي ـ كالتوتر أو المواجهة مع إيران ـ وما يرافقه من احتمال تصاعد العداء الشعبي للولايات المتحدة بوصفها طرفًا في هذا التصعيد، وهو ما يشكل تحديًا للأنظمة التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع واشنطن. في مواجهة هذا التحدي، يتم تفعيل خطاب طائفي مؤمْنَن (securitized) يُعيد تعريف التهديد في صورة داخلية أو إقليمية، بحيث يُقدَّم “الخطر الطائفي” بوصفه أكثر إلحاحًا من “الخطر الخارجي”. يؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب أولويات الأمن في وعي الجمهور، ومن ثم إلى تعزيز قابلية تقبّل السياسات الأمنية التي تُبرَّر تحت عنوان حماية الاستقرار والوحدة الوطنية. في هذا السياق، تعمل الطائفية كآلية تفضي الى تحويل مركز التهديد، وآلية تكثيف تضخّم البعد الهوياتي للصراع، وآلية شرعنة تبرر الإجراءات الاستثنائية.
يتضمن هذا الإطار مجموعة من المتغيرات القابلة للاختبار؛ إذ يُعد مستوى التصعيد الجيوسياسي المتغير المستقل، بينما يشكل الخطاب الطائفي المتغير الوسيط، في حين تتمثل المتغيرات التابعة في إعادة تشكيل إدراك التهديد لدى الجمهور، ومستوى الاستقطاب الداخلي، ودرجة تقبّل السياسات الأمنية. وبناءً على ذلك، يمكن صياغة فرضيات فرعية مفادها أن زيادة التوتر مع إيران تقترن بارتفاع وتيرة الخطاب الطائفي، وأن هذا الارتفاع يؤدي إلى تراجع مركزية العداء للولايات المتحدة في الوعي العام، فضلًا عن تعزيز قابلية الجمهور لتقبّل إجراءات الضبط الأمني. أما على مستوى التشغيل المنهجي، فيمكن اختبار هذه الفرضيات عبر تحليل الخطاب الرسمي والإعلامي، وتتبع تحوّلات المفردات المستخدمة في توصيف التهديدات، والاستعانة ببيانات استطلاعات الرأي، إضافة إلى دراسة السياسات الأمنية المصاحبة لهذا الخطاب.
تتمثل الإضافة العلمية لهذا الإطار في أنه لا يكتفي بتفسير الطائفية بوصفها نتاجًا لصراعات هوياتية أو دينية، بل يعيد إدراجها ضمن منطق استراتيجي أوسع لإدارة الصراع، من خلال دمج مقاربتي الطائفية كعملية سياسية والأمننة كآلية لإنتاج التهديد، في مفهوم تحليلي موحد يعيد تعريف الصراع وترميزه. وبهذا، يقدّم الإطار فهمًا مركبًا للطائفية في الخليج بكونها تقنية حكم تُستخدم لإعادة تشكيل المجال السياسي وإعادة توجيه إدراك التهديد، بما يخدم تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن الداخلي واستحقاقات التموضع الخارجي.
من جهة ثانية، يعكس النزوع الطائفي لدى الدولة الخليجية انخفاض مستوى التمثيل السياسي، حيث تكون الدولة وحدها صانع القرار والسياسات، دون السماح لبقية المكوّنات السكانية في المشاركة في تقرير وجهة السياسة الداخلية والخارجية للدولة.
تُفسَّر هذه المفارقة جزئيًا من خلال نموذج “الدولة الريعية”، كما طوّره حازم ببلاوي، والذي يفترض أن اعتماد الدولة على الريع (النفطي أساسًا) يقلّل من الحاجة إلى التمثيل السياسي، ويعزّز في المقابل أنماطًا من الشرعية التوزيعية بدل الشرعية التمثيلية. وفي هذا السياق، تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة “الرفاه مقابل الولاء”، ما يحدّ من قدرة التيارات المعارضة ـ بما فيها التيار العروبي ـ على التحول إلى فاعل سياسي مؤثر.
إلى جانب ذلك، تلعب آليات “الأمننة” دورًا حاسمًا في إعادة تعريف هذا التيار، حيث تقوم الدولة بتحويل قضايا سياسية عادية إلى قضايا أمنية، بما يبرر اتخاذ إجراءات استثنائية. في الحالة الخليجية، يمكن تأطير بعض أشكال الخطاب المناهض للهيمنة ضمن خانة “التهديد للاستقرار” أو “الاصطفاف مع قوى خارجية”، وهو ما يفتح المجال لتقييد حضوره في الفضاء العام.
كما تتعزز هذه الدينامية عبر ما يمكن تسميته بـ”إدارة الحقل الإعلامي”، حيث تُعاد هيكلة الفضاء الإعلامي ـ التقليدي والرقمي ـ بما ينسجم مع أولويات الدولة، وهو ما تناوله مارك لينش في تحليله لتحولات المجال العام العربي. فالنتيجة ليست غياب التيار المعارض، بل إعادة تموضعه في هوامش أقل تأثيرًا: شبكات اجتماعية، تعبيرات ثقافية غير مباشرة، أو فضاءات خارجية.
من زاوية أخرى، تشير أعمال غريغوري غاوس إلى أن سياسات دول الخليج تُفهم أساسًا ضمن منطق البقاء في بيئة إقليمية عالية التهديد، ما يفسّر ميلها إلى التحالفات الدولية حتى لو تعارضت مع بعض المزاج الشعبي. وهنا تتعمّق المفارقة: الدولة تتحرك وفق حسابات الأمن، بينما يتحرك المجتمع وفق حسابات الهوية والسيادة. وعليه، فإن الفجوة بين الرسمي والشعبي ليست طارئة، بل هي فجوة مُنتَجة مؤسسيًا مرشّحة للتوسع مع كل أزمة إقليمية كبرى، لسببين رئيسيين:
ـ تكرار لجوء الدولة إلى تحالفات خارجية في لحظات التهديد.
ـ رسوخ سرديات شعبية ترى في هذه التحالفات امتدادًا لأنماط الهيمنة.
لكن من المهم التنبيه إلى أن هذه الفجوة لا تتحوّل بالضرورة إلى صراع مفتوح، بل غالبًا ما تُدار عبر آليات احتواء ناعمة أو ضبط تدريجي، وهو ما يمنح النموذج الخليجي قدرًا من الاستقرار الظاهري، مع بقاء توترات كامنة قابلة للانكشاف عند لحظات الضغط القصوى.





