بين المؤقت والمستدام – الولاء في زمن الحرب

د. فؤاد ابراهيم
في اللحظة التي تندلع أزمة ذات أبعاد خارجية تبادر الحكومات إلى دعوة الأقليات التي تخضع لسياسات تمييز ممنهجة إلى إعلان ولائها للأوطان التي يعيشون فيها .. الأوطان التي تنساهم في زمن الرخاء ولا تذكرهم إلا في زمن الشدّة والمحنة .. الأوطان التي تفرض على فئة/فئات بعينها فحص الوطنية وإثبات انتمائها للوطن فيما تهب لفئة أخرى حقوق المواطنة.
ويمثل الولاء في زمن الحرب أحد أكثر المفاهيم تعقيدًا وحيوية في دراسة السلوك الاجتماعي والسياسي، إذ يجمع بين عناصر الطاعة، والانتماء، والالتزام الأخلاقي، ويبرز في أوقات الصراعات المسلحة على أنه محور يحدد موازين القوة الداخلية والخارجية للدولة والمجتمع.
ففي سياق الحرب، يُعاد تعريف الولاء ليس كقيمة فردية فحسب، بل كأداة سياسية وثقافية يُقاس بها التماسك الاجتماعي، ويُحدد بها مدى التزام الأفراد والجماعات بالأهداف الوطنية والمبادئ المشتركة. تتشابك في هذا الإطار عوامل متعددة، تشمل الضغوط القانونية، والانضباط المؤسساتي، والسرديات الثقافية، وحتى التجارب النفسية للأفراد، لتشكل شبكة معقدة تحدد طبيعة الولاء وأبعاده المختلفة.
وليس جديدًا في التاريخ أن تتحول السلطة، في لحظات الخطر، إلى داعية وحدة، ولا أن تكتشف فجأة فضيلة “المواطنة المتساوية” حين تهتز أركانها. لكنها، في المقابل، سرعان ما تنسى هذه الفضيلة نفسها عندما تعود إلى الاستقرار، لتستأنف سياساتها القديمة في الشك والإقصاء والتمييز.
فالسلطة لا تعيد تعريف مواطنيها إلا تحت الضغط، ولا تعترف بهم إلا بقدر حاجتها إليهم. في زمن الخطر، يصبح “المشكوك فيهم” فجأة “ركائز وطنية”، وفي زمن الاستقرار، يعودون إلى موقعهم القديم: موضوعًا للريبة أو هدفًا للضبط.
المفارقة هنا ليست أخلاقية فقط، بل بنيوية: فالسلطة التي تبني استقرارها على التمييز، لا تستطيع أن تحافظ على مساواة دائمة، لأنّها بذلك تقوّض الأساس الذي تستمد منه شرعيتها. لذلك، فإن كل انفتاح تقدمه في زمن الأزمة ليس إلا إجراءً تكتيكيًا، سرعان ما يُسحب عندما تنتفي الحاجة.
إنها معادلة واضحة في التاريخ السياسي: كلما كان الولاء مطلوبًا بشدة في لحظة الخطر، كان الشك أعمق بعد زواله. ولهذا، فإن اختبار صدق أي سلطة لا يكون في لحظة الحرب، حيث يعلو خطاب الوحدة، بل في لحظة السلم، حيث تنكشف حقيقة نظرتها إلى مواطنيها: هل تراهم شركاء دائمين أم أدوات مؤقتة؟
تظهر الدراسات التاريخية والاجتماعية أن الولاء في زمن الحرب يمكن أن يكون مؤقتًا ومتحولًا، فخلال أزمات الصراع غالبًا ما تتجه الفئة المستفيدة من امتيازات الدولة إلى التماهي مع الجبهة الوطنية، أو مع القيادة السياسية والعسكرية، بحثًا عن الحماية أو الإحساس بالانتماء الجماعي، فيما ترغم فئات أخرى مهمّشة على إظهار الولاء للوطن (=للسلطة) طوعًا أو كرهًا.
هذا ما يوضحه كتاب ميتشي ويغلين (سنوات العار) الذي يوثق تجربة اليابانيين ‑ الأميركيين أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث أُجبر المعتقلون على الإجابة عن استبيان يُقيس ولاءهم الوطني، ما أوجد انقسامات داخل المجتمع نفسه بين من التزم بالولاء الرسمي ومن رفض لأسباب أخلاقية أو شخصية، وهو مثال صارخ على أن الولاء ليس مفهومًا ثابتًا، بل قابل للتشكّل والتأرجح حسب السياق السياسي والاجتماعي. في المقابل، يُبرز كتاب جون داور (ثقافات الحرب) كيف أن خطاب الحرب يُنتج إطارًا ثقافيًا موحدًا للولاء، يجعل من الولاء قيمة جماعية مطلقة، ويحدّد المعايير التي تميز بين الأفراد الملتزمين بالواجب الوطني ومن يُعتبرون “آخرين” داخليًا أو معرَّضين للإقصاء.
علاوة على ذلك، يشير التحليل الاجتماعي والسياسي إلى أن الولاء في زمن الحرب له بعد مزدوج: فهو إدماجي أثناء الصراعات لتوحيد الجبهة الداخلية، لكنه يمكن أن يتحول إلى إقصائي بعد انتهاء الحرب، حيث يُستخدم لتعزيز الحدود الثقافية والسياسية للأمة، أو لتصفية الأفراد أو الجماعات الذين لا يتوافقون مع المعايير الرسمية للانتماء. هذا البعد المزدوج يجعل دراسة الولاء في زمن الحرب مسألة مركزية لفهم ديناميكيات القوة والسلطة داخل المجتمعات، كما يتيح دراسة كيفية إدارة الدول للأزمات، وتأثير الانضباط والمؤسسات، والسرديات الإعلامية والسياسية على توجيه سلوك الأفراد والجماعات.
لذلك، يسعى هذا البحث إلى تحليل الولاء في زمن الحرب كظاهرة متعددة الأبعاد، تجمع بين الضغوط القانونية والسياسية، والانضباط المؤسساتي، والخطاب الثقافي، والتجربة الفردية، مع التركيز على الحالات التاريخية التي أظهرت تباين الولاء بين الإدماج والإقصاء، على تأثير الخطاب الوطني والثقافي في توجيه الولاء. الهدف هو تقديم رؤية شاملة حول طبيعة الولاء أثناء الصراع، العوامل التي تشكله، والنتائج الاجتماعية والسياسية المترتبة عليه، بما يسهم في فهم أعمق للديناميكيات الداخلية للمجتمع أثناء الحرب وبعدها.
في الإطار المفاهيمي، نتوقف عند محور الدولة والتعبئة والحرب، ويتصدر الباحث تشارلز تيلي بتقديمه مطالعة نقدية وافية. ينطلق تيلي من فكرة مفتاحية تقول أن الحرب هي تصنع الدولة والدولة تصنع الحرب لينتقل بعدها إلى بيان أهمية النقطة المركزية لتفسير لماذا تضطر الدولة لتوسيع قاعدة الولاء وقت الأزمات.
في الإطار النظري، خط البداية هو الاقرار بالدولة كفاعل تعبوي. وفق أدبيات علم الاجتماع السياسي، لا سيما في تقاليد تشارلز تيلي، تتشكل الدولة الحديثة عبر الحرب والتعبئة. في لحظات التهديد تحتاج الدولة إلى الموارد البشرية والمادية، إذ تضطر إلى توسيع قاعدة المشاركة (تجنيد، ضرائب، تعبئة رمزية). هذا يفرض تعليقًا مؤقتًا لبعض آليات الإقصاء، لأن الكلفة السياسية للتمييز تصبح أعلى من كلفة الإدماج.
فالدولة الحديثة في أوروبا، بالنسبة إلى تيلي، لم تتشكل عبر تطور طبيعي سلمي، بل عبر سلسلة طويلة من الحروب التي فرضت تعبئة بشرية (جنود)، وتعبئة مالية (ضرائب)، وبناء أجهزة إدارية وأمنية.
ويميّز تيلي بين عنصرين أساسيين: الإكراه (Coercion) متمثلًا في: الجيش والشرطة والعنف المنظم، ورأس المال (Capital) متمثلًا في: الضرائب، التجارة، التمويل. ومن وجهة نظره أن الدول الناجحة توازن بين الإكراه ورأس المال لتستمر في الحرب، لكن هنا تظهر المعضلة الأساسية وهي كون الحرب مكلفة، ولا يمكن تمويلها بالقوة وحدها. وهنا يطرح السؤال الجوهري: لماذا تضطر الدولة لتوسيع قاعدة الولاء؟ وهنا نكون أمام مجموعة عناصر.
1 ـ حدود الإكراه: فالإكراه وحده لا يكفي لإجبار المجتمع بالكامل على القتال أو الدفاع، وأن القسر المفرط يؤدي إلى التمرد أو الانهيار. وعليه، فإن الدولة بحاجة الى الامتثال الطوعي، أي قبول اجتماعي نسبي، أو ما يشبه الولاء العملي، وهنا تبدأ عملية توسيع قاعدة المشاركة عبر التوسيع القسري ـ التفاوضي. ويوضح تيلي بأنّ الدولة تدخل في نوع من التفاوض غير المتكافئ مع المجتمع. فالدولة تريد جنودًا، وضرائب، وطاعة، وفي المقابل عليها تقديم حقوق سياسية، وتمثيل، وحماية. فمالذي يتبدّل في هذه الحالة؟
أن الدولة التي كانت تنظر الى المحكومين كرعايا يتحوّلوا فجأة إلى مواطنين. بمعنى آخر يتحوّل السكان تدريجيًا من رعايا خاضعين إلى مواطنين مشاركين (نسبيًا) ولكن هذا التحوّل ليس أخلاقيًا بل نتائج ضغط الحرب. ويمكن استخراج آلية دقيقة من طرح تيلي، ففي زمن الخطر تحتاج الدولة إلى موارد ضخمة، وتضطر إلى إشراك فئات مهمشة، وتخفيف القيود، وتوسيع تعريف “نحن”. شكل الولاء هنا ليس نابعًا من اندماج كامل بل من الحاجة أو التفاوض أو الإكراه المخفف. ولكن بعد زوال التهديد، يختلف المسار حسب نوع الدولة. في أوروبا (حالة تيلي النموذجية) استمر التوسع، وترسخت المواطنة، ونشأت مؤسسات تمثيلية. ولكن في حالات أخرى (الدول الشمولية في غرب آسيا)، يحدث العكس، أي تراجع عن الامتيازات، وعودة الإقصاء، وإعادة إنتاج الشك.
فالدولة، في حالة الحرب، لا توسّع قاعدة الولاء لأنها تؤمن بالمساواة، بل لأنها تحتاج إلى الموارد. وبكلمات أخرى: الولاء في زمن الحرب هو نتيجة عجز الدولة عن الاعتماد على الإكراه وحده. يفسّر تيلي سبب حدوث التوسيع، وإن لم يكن يفسر دائمًا لماذا يستمر أو يتراجع، وهنا يأتي التمييز بين نوعين من الدول: دول تحوّل التعبئة إلى عقد دائم مثل الدول الديمقراطية والنتيجة تكون: مواطنة، ودول تحافظ على الطابع الأداتي، وتستخدم التوسيع مؤقتًا ثم تعود للإقصاء، والنتيجة: ولاء مؤقت+شك دائم.
في الخلاصة: قراءة تيلي تقود إلى فهم عميق بأنّ الحرب تفرض على الدولة الانفتاح القسري، وهذا الانفتاح ليس اعترافًا، بل استثمارًا سياسيًا. واذا لم يتحوّل الإعتراف الى مؤسسات فإنّه يظل مرحليًا وقابلًا للارتداد.
وعلى نحو إجمالي، بحسب نظرية تيلي، فإنّ الدولة تنمو تحت ضغط الحرب والحرب تفرض عليها تطوير أدواتها. وصلة ذلك بموضوع الولاء هي إذا كانت الحرب هي محرك الدولة، فإن توسيع الولاء ليس خيارًا أخلاقيًا بل ضرورة وظيفية. إذ لا بد من إشراك قطاعات أوسع من المجتمع، أي توسيع قاعدة الولاء. ولكن التوسيع في الولاء هو نتيجة جانبية للحرب، لا هدف بحد ذاته، ولذلك فإن مفعوله يتلاشى بانتفاء السبب وهو الحرب. وبحسب تيلي:
“الحرب صنعت الدولة، والدولة صنعت الحرب .. وإذا كانت عمليات الابتزاز تمثل الجريمة المنظمة في أبهى صورها، فإن صناعة الحرب وبناء الدولة – وهما مثالان نموذجيان للابتزاز مع ميزة الشرعية – يُعدان أكبر مثالين لدينا على الجريمة المنظمة”.
في المقابل، إن الحكّام الذين يعتمدون فقط على القهر سوف يواجهون في نهاية المطاف المقاومة أو الانهيار. لأن الاكراه والقهر والترهيب أدوات غير مستدامة، وأن القسر المفرط يولّد تمردًا عاجلًا أم آجلًا. وهنا تظهر النقطة الحاسمة: الدولة تضطر للانتقال من القسر إلى الاحتواء.
استنادًا إلى تيلي، لم يكن توسيع قاعدة الولاء في الدولة الحديثة نتاج تحول أخلاقي نحو المساواة، بل نتيجة مباشرة لعجز الإكراه عن تلبية متطلبات الحرب. فحين اضطرت الدول إلى استخراج الموارد من مجتمعاتها، وجدت نفسها منخرطة ـ رغمًا عنها ـ في عملية تفاوض أفضت إلى توسيع المشاركة والحقوق، ولو بشكل جزئي ومشروط. وعليه، فإنّ الدولة، بحسب تيلي، ليست كيانًا أخلاقيًا بالضرورة، بل هي جهاز تعبوي شرعي يستخدم القوة لاستخراج الموارد كشرط للحرب. وهذا يجعل المجتمع جزءًا من آلة الحرب.
فالدولة توسّع قاعدة الولاء ليس لأنها تؤمن بالمواطنة، بل لأنها تحتاج إلى الموارد، وهذا التوسيع يحدث عبر تفاوض قسري تفرضه الحرب، لا عبر تحول أخلاقي.
الاندماج استثناءً:
بالنسبة إلى جورجيو أغامبن في كتابه “حالة الاستثناء” State of Exception، فإن السلطة تعلّق القوانين في حالات الخطر، وتفعّل آلية “الادماج المؤقّت” كجزء من منطق استثنائي. وينطلق أغامبن من أطروحة أساسية: حالة الاستثناء هي وضع تُعلّق فيه القوانين العادية باسم الضرورة، لكن هذا التعليق يتم داخل النظام القانوني نفسه. بمعنى، أن السلطة لا تخرج من القانون، بل تستخدم القانون لتعليق القانون.
وبحسب تعريف أغامبن، أن حالة الاستثناء ليست نوعًا خاصًا من القانون؛ بل هي “تعليق للنظام القانوني نفسه”. ودلالة ذلك: لا يوجد قانون بديل بل تعليق للنظام القانوني نفسه.
البنية العميقة لحالة الاستثناء تستند إلى فهم مفاده أن التعليق لا يعني الفوضى. في الظاهر، يبدو أن القانون غائب لكن في الحقيقة القانون حاضر بشكل معكوس، لأنه هو الذي يجيز تعليقه. وينتج عن ذلك ما يسميه أغامبن منطقة لا قانونية داخل القانون حيث لا توجد حماية قانونية كاملة ولا غياب كامل للسلطة. وهنا يتحوّل الفرد إلى كيان يمكن استخدامه، تعبئته، أو التضحية به، دون أن يتمتع بكامل الحقوق السياسية.
في حال الحرب، وهي الحالة النموذجية للاستثناء، تُعلن الطوارئ، وتُعلّق الحقوق، وتُوسّع صلاحيات السلطة. لكن الأهم يتم إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ولكن كيف يفسر أغامبن “الولاء في زمن الحرب”؟
يلفت أغامبن إلى الاندماج في زمن الحرب ليس اعترافًا. ففي حالة الاستثناء تقوم بإشراك جماعات مهمّشة، وتخفيف القيود، واستدعاء الجميع تحت شعار “الوطن”، ولكن هذا الادماج لا يعني مساواة حقيقية بل يعني إدخال هذه الجماعات في دائرة الاستخدام السياسي.
وينتقل أغامبن إلى المستوى الثاني أي الولاء كشرط للبقاء داخل النظام. ففي الوضع الطبيعي الحقوق تُفترض مسبقًا، أما في حالة الاستثناء فالحقوق تصبح مشروطة، أي “أثبت ولاءك .. لتبقى داخل الحماية”.
فالادماج المؤقّت هو إدراج داخل الاستثناء. فالجماعة التي كانت خارج المركز تُدمج أثناء الأزمة لكن ليس كمواطنة كاملة بل كجزء من آلية الطوارئ. ويكشف أغامبن عن مفارقة حادة: نفس السلطة التي “تضمّك” في زمن الحرب، هي التي تستطيع “استبعادك” بعده، لأن الإدماج لم يكن قانونيًا ثابتًا بل استثنائيًا وقابلًا للسحب.
وهنا تكمن مفارقة السيادة، إذ “أن الحاكم يكون في الوقت نفسه خارج النظام القانوني وداخله”. فالسلطة تقف داخل القانون وخارجه في آن، فهي تستطيع أن تدمج جماعة ما ثم تستبعدها (وهذا ما حصل في الكويت على وجه الخصوص حين شارك المصنّفون في خانة البدون في الدفاع عن حياض الكويت وسيادتها، ولكن بعد تحرير الكويت عادت الحكومة الى تهميش هذه الفئة وحرمانها من كل الامتيازات بما في ذلك التعليم والطبابة).
ويفسّر أغامبن كيف يتم هذا التوسيع دون أن يتحول إلى حقوق. فبينما يشرح تيلي “الدافع” يشرح أغامبن “الآلية الخطرة”. فالولاء في زمن الحرب، بحسب أغامبن، ليس دليل اندماج، بل شرط مؤقت للبقاء داخل دائرة الحماية التي تحددها حالة الاستثناء. أو بصياغة أكثر حدة: في حالة الاستثناء، لا يُطلب الولاء لإثبات المواطنة، بل لتجنّب السقوط خارجها. فالإدماج الذي يحدث في الأزمات ليس توسعًا حقيقيًا في الحقوق بل إعادة ترتيب مؤقتة للسلطة حيث يتحوّل المجتمع إلى مخزون تعبوي يُدار عبر منطق الطوارئ، لا عبر عقد اجتماعي دائم.
في نهاية المطاف، واستنادًا إلى أغامبن، فإن حالة الاستثناء لا تمثل خروجًا عن القانون بقدر ما تمثل تعليقًا له، بما يسمح للسلطة بإعادة تنظيم العلاقة مع المجتمع على أساس الضرورة لا الحقوق. وفي هذا السياق، يصبح إدماج الجماعات في زمن الحرب إدماجًا وظيفيًا، حيث يُطلب الولاء ليس بوصفه تعبيرًا عن مواطنة مكتملة، بل كشرط للبقاء داخل دائرة الحماية التي تظل قابلة للسحب مع انتهاء حالة الطوارئ.
وحين يُطلب الولاء في الحرب، فهو لا يأتي داخل نظام حقوق مستقر، بل داخل فراغ قانوني نسبي يجعل هذا الولاء شرطًا للبقاء. فالحاكم يمكنه تعليق القانون دون أن يفقد شرعيته، وهذا يفسّر كيف يمكن للسلطة أن تطلب الولاء من جماعة ثم تعود لاستبعادها دون أن تعد نفسها متناقضة. فالولاء هنا لا يعود ممارسة سياسية بل يتحول إلى أداة لإدارة الحياة نفسها.
في كتابه (المجتمعات المتخيّلة) Imagined Communities، يعيد بندكت أندرسون تعريف الأمة كبناء تخيّلي يتغير حسب السياق لتوليد هوية جماعية، التي تخضع للتوسيع والتضييق تبعًا للسياق السياسي، ولا سيما في وقت الأزمات.
أندرسون يعرف الأمة بأنها “مجتمع سياسي متخيّل – ومتخيّل على أنه محدود بطبيعته وذو سيادة في آن واحد”. فماذا يعني “متخيّلة”؟ ليس لأن الأمة “وهمية”، بل لأن أفراد حتى أصغر دولة لن يعرفوا معظم أفرادها..ومع ذلك، فإن صورة ترابطهم تبقى في أذهان كل فرد”. فالوحدة قائمة على تصوّر ذهني مشترك، ويمكن إعادة تشكيل هذا التصور سياسيًا بسهولة.
بكلمات أخرى “نحن” هنا ليست ثابتة بل بناء ذهني قابل لإعادة التشكيل، والأمة ككيان محدود، ويؤكّد أندرسون أن كل أمة لها حدود (جغرافية/ثقافية/سياسية) تعرف نفسها عبر التمييز عن الآخرين. إذ يُتم تصوّر الأمة على أنها محدودة لأن حتى أكبرها لها حدود محدودة، وإن كانت مرنة، وخلفها تقع أمم أخرى”. فالحدود ليست ثابتة بل مرنة، وهذه المرونة هي ما يسمح بتوسيع “نحن” أو “تضييقها”.
ونتيجة ذلك: “نحن” دائمًا تُعرَّف مقابل “هم”، والاستخدام التحليلي في الأزمات، يمكن توسيع “نحن” (للتعبئة) أو تضييقها (للإقصاء). ويوضح بندكت أندرسون أن الأمة، بوصفها “جماعة متخيلة”، تقوم على حدود مرنة وقابلة لإعادة التشكيل، حيث يمكن توسيع أو تضييق تعريف “نحن” تبعًا للظروف السياسية. وتلعب وسائل الإعلام واللغة والسرديات التاريخية دورًا حاسمًا في هذه العملية، مما يسمح للسلطة ـ خصوصًا في أوقات الأزمات ـ بإعادة إنتاج الهوية الجماعية بما يخدم متطلبات التعبئة أو الإقصاء.
وفي الحرب يتم إعادة صياغة الزمن، بوصفه “لحظة مصيرية” ، و”معركة وجود”، ما يعزّز توسيع “نحن” مؤقتًا. ومع أن الولاء يكون للأمة عادة، ولكن السلطة قادرة على تجيير الولاء إليها حيث تعيد السلطة تعريف الأمة نفسها، فيعاد طرح أسئلة من قبيل: من هو الوطني”؟ و “من هو الخارج عن الأمة”؟
وفي واحدة من أهم نتائج الكتاب أن الهوية القومية ليست جوهرًا ثابتًا بل بناء تاريخي مرن، وهذا يعني “نحن” يمكن أن تتوسع (شمول) ويمكن أن تضيق (إقصاء). فكيف يكون التوسّع؟
الجواب وفق منطق أندرسون يكون ذلك عبر:
أ ـ الخطاب الإعلامي “كلنا في مركب واحد”.
ب ـ التهديد الخارجي، من خلال خلق عدو مشترك.
ج ـ الرموز الوطنية مثل العلم، النشيد، التاريخ.
د ـ إعادة كتابة السردية “نحن شعب واحد”.
في المقابل، كيف يتم تضييق “نحن”؟ ويجيب أندرسون بأن ذلك يكون عبر:
أ ـ تعريف العدو الداخلي بأنه “غير موثوق”، و”غير وطني”.
ب ـ إعادة تصنيف الانتماء ديني/عرقي/ سياسي.
ج ـ عبر خطاب الطوارئ.
فالولاء يصبح شرطًا للإنتماء. وفي زمن الحرب، باستخدام منطق أندرسون، توسّع الدولة من نطاق “نحن”، بهدف زيادة التعبئة، وبعد الحرب تعيد تضييق “نحن” لاستعادة السيطرة. وكنتيجة، يصبح الولاء أداة إدماج مؤقت وليس اعترافًا دائمًا.
وفي الخلاصات، يبيّن بندكت أندرسون أن الأمة ليست كيانًا ثابتًا، بل “جماعة متخيلة” يتم إنتاجها عبر وسائل رمزية ومؤسساتية، ما يجعل تعريف “نحن” قابلاً لإعادة التشكيل وفق السياق السياسي. وفي حالات الأزمات، تميل السلطة إلى توسيع هذا التعريف بهدف تعبئة أوسع، قبل أن تعود لاحقًا إلى تضييقه من خلال إعادة إنتاج حدود الإنتماء واستبعاد الفئات التي لم تعد ضرورية ضمن منطق الطوارئ.
لناحية الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس، فإنه يربط شرعية النظام السياسي بالإعتراف والمشاركة السياسية من قبل المكوّنات السكانية. ففي كتابه (نظرية الفعل التواصلي) The Theory of Communicative Action، يوضح هابرماس أن ربط الشرعية القائمة على الإعتراف والمشاركة يوضّح غياب المواطنة المتكافئة. والفكرة المركزية عند هابرماس أن الشرعية لا تقوم فقط على السلطة أو القوة، بل على الاعتراف والمشاركة ضمن فضاء ديمقراطي وتواصلي. أي أن النظام السياسي يصبح شرعيًا حين يُعترف بحقوق الأفراد ويُتاح لهم المشاركة في اتخاذ القرار. فجوهر الشرعية ينشأ عندما يعترف الفاعلون ببعضهم البعض كمشاركين في عملية تواصلية لتشكيل المعايير.
وهنا يثار سؤال الولاء الذي يُعطى طواعية عندما يُعترف بالحقوق ويُشرك الأفراد في القرار، وليس فقط فرضًا بالقوة. في زمن الحرب، هذا يفسر لماذا الإدماج المؤقت غالبًا يكون هشًا: لأنه لا يستند إلى اعتراف كامل بالمواطنة. فماذا تكون الحال في غياب المواطنة المتكافئة في حالات الطوارئ، فهابرماس يشير إلى أن الشرعية تتأثر بغياب آليات الاعتراف والمشاركة:
“في الحالات التي يتم فيها تعليق الهياكل التواصلية أو تجاوزها من خلال إجراءات تنفيذية، تصبح شرعية القانون والسلطة السياسية مشروطة، وتعتمد على قرارات أحادية الجانب بدلاً من التفاهم المتبادل”.
إن ادماج جماعات مهمشة أو مطالبتهم بالولاء في زمن الأزمة لا يستند إلى الاعتراف المتبادل بل إلى قرارات سلطوية مؤقتة. ومن منظور هابرماس أن الإدماج المؤقت هو شرط للسيطرة، ويؤكّد على أن الشرعية الناشئة عن المشاركة يمكن أن تنهار عند “تعليق العملية التشاركية”. ويقول: “قد تستدعي حالات الطوارئ تعليقًا مؤقتًا لآليات التداول؛ في مثل هذه الحالات، يتم طلب الولاء، ولكن لا يتم اكتسابه من خلال الشرعية التواصلية”. فالولاء في زمن الحرب غالبًا يُطلب، لكنه لا يُستحق بمعناه الأخلاقي أو التشاركي. وهذا يفسّر لماذا بعد انتهاء الأزمة يمكن سحب هذا الولاء أو إعادة التضييق.
وفي العلاقة بين الاعتراف والولاء يرى هابرماس أن الولاء الحقيقي مرتبط بالاعتراف بالمواطن كمشارك كامل: “فقط عندما يتم الاعتراف بالأفراد بشكل كامل كشركاء في تشريع المعايير، فإن الولاء الطوعي يتوافق مع الشرعية الأخلاقية”.
في الأزمة، الإدماج يتم من دون هذا الاعتراف الكامل، لذلك يصبح الولاء أداة تعبئة وليس تعبيرًا عن شرعية حقيقية. وبعد انتهاء الطوارىء قد تعود السلطة إلى فرض حدودها التقليدية.
إن سحب الإعتراف المؤقت يظهر هشاشة الولاء، وبحسب هابرماس: “إن سحب الحقوق التشاركية بمجرد انحسار حالة الطوارئ يؤكد الطبيعة النفعية للولاء في ظل الظروف الاستثنائية”. ما يخلص اليه هابرماس أن الشرعية الحقيقية تقوم على الاعتراف والمشاركة التشاركية.
ويفسّر هابرماس الولاء في زمن الحرب على خلاف الأوضاع الطبيعية، حيث الولاء ينبع من من الاعتراف المتبادل في فضاء مفتوح للمناقشة، ولكن في زمن الحرب تتراجع آليات الاعتراف والمشاركة وتصبح السلطة أكثر مركزية.
بالنسبة إلى هابرماس، الشرعية ليست مجرد طاعة قانونية بل نتاج عملية تواصُلية بين أفراد المجتمع، حيث تُنتَج القواعد من خلال الحوار والتفاهم المشترك، وليس من خلال التعليمات من أعلى إلى أسفل. هذا يُباين الحالة التي تُعلَّق فيها آليات الحوار ليستبدل مكانها أوامر أحادية الاتجاه، وهو ما يحدث في حالات الحرب أو الطوارئ.
في حالات الاستثناء أو الطوارئ، لا تتوقف القوة فقط عن تطبيق قواعدها المعتادة، بل تُعطّل أيضًا آليات النقاش العام التي تُولِّد الشرعية. في مثل هذه الظروف، يصبح الولاء مظهرًا لوظيفة النظام في إدارة الأزمة، وليس دليلًا على مواطنة متساوية قائمة على الاعتراف.
يشير هابرماس إلى أن المشاركة السياسية والاعتراف المتبادل لا يُفترض وجودهما فحسب، بل يتطلبان بنية تواصلية فاعلة بين الأفراد. وغياب هذه البنية في زمن الحرب يفضي إلى شرعية مشروطة وظيفيًا، تُطالب بــ “الولاء” دون توفير آليات الاعتراف والمشاركة الحقيقية.
لقد لاحظ الباحثون أن الشرعية القائمة على الاستخدام الوظيفي للولاء في حالات الأزمات غالبًا ما تكون هشة وغير مستدامة، لأنها لم تُنشأ من خلال مشاركة حقيقية أو اعتراف متبادل، بل بوظائف أمنية وسياسية.
في مشروعه المتميّز، يعرض عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل فوكو للعلاقة بين السلطة والانضباط. في كتابيه (يجب الدفاع عن المجتمع) و(المراقبة والعقاب) يؤكد على أن السلطة تنتج فئات “مراقَبة”، في سياق تفسير مفهوم “الآخر الداخلي”.
في كتابيه يعالج فوكو فكرة أن السلطة لا تمارس فقط بالقوة الظاهرة، بل تُنتج أشكالًا من الانضباط الداخلي داخل الأفراد والمجتمعات. أي أنّ الناس يصبحون مراقِبين لأنفسهم ويتصرفون وفق قواعد السلطة حتى دون تدخل مباشر من الدولة أو الجيش. فالسلطة لا تُمارس فقط من الأعلى: في أوقات الحرب، السلطة تتغلغل داخل المجتمعات عبر المؤسسات: المدارس، الجيش، الشرطة، الإعلام، وحتى العادات اليومية. وأن الانضباط يجعل الأفراد يمتثلون تلقائيًا للقوانين أو للتوجيهات العسكرية، ويجعلهم يحملون “الآخر الداخلي” ـ أي جزء من الذات يراقب السلوك وفق معيار الولاء أو الطاعة.
ومفهوم “الآخر الداخلي” وولاء الأفراد في زمن الحرب، فيرى فوكو أن السلطة تزرع داخل الأفراد ضميرًا داخليًا يتحكم في سلوكهم حتى في غياب مراقبة مباشرة: في الحرب، هذا الآخر الداخلي يجعل الجنود والمواطنين يقبلون توجيهات القيادة ويراقبون أنفسهم على الولاء الوطني أو العسكري. فهذا “الآخر الداخلي” يمثل آلية السلطة لإنتاج التوافق الاجتماعي الداخلي، بحيث لا يحتاج الحاكم إلى إجبار دائم أو تهديد مستمر. ومن منظور فوكو، فإن الولاء في الحرب ليس مجرد اختيار أخلاقي، بل نتاج عملية اجتماعية معقدة لتشكيل الذات وفق قواعد الانضباط.
فالانضباط كأساس للولاء الجماعي، كما يظهر في المؤسسات العسكرية، والإعلام الحربي، والتعليم وجميعها يُستخدم كآليات لتشكيل السلوك والانتماء. وحتى في غياب القوانين الصارمة، الأفراد يمارسون المراقبة الذاتية خوفًا من العقاب أو رغبة في الموافقة الاجتماعية. وهذا الانضباط الداخلي هو الذي يحافظ على استقرار الجبهة الداخلية في زمن الحرب، لأنه يقلل من المقاومة ويزيد الالتزام الجماعي بالقيادة.
ويمكن استخدام هذه الأفكار لتفسير كيف يُنتج الولاء الجماعي. فالولاء ليس مجرد شعور أو تعبير سياسي، بل آلية إنتاج اجتماعي للسلطة. وعلى مستوى السلوك يتظهّر “الآخر الداخلي” من خلال مراقبة الأفراد لأنفسهم ومحاسبتها داخليًا على أي خيانة محتملة. وهكذا، فإن الولاء في زمن الحرب يمثل حالة تطرف للانضباط، ففي الحرب تُشدّد الرقابة الداخلية والخارجية، وتبرز العلاقة بين السلطة والانضباط الداخلي بوضوح.
بالنسبة إلى فوكو، ثمة مقاربة للولاء في ضوء علاقة السلطة والمعرفة، حيث تُنتج السلطة فئات “مشكوكًا فيها”. وفي زمن الأزمة يُعاد تعريف هذه الفئات كـ”قابلة للاحتواء” تُخضع لاختبارات ولاء. وبعد الأزمة تعود إلى وضع “المراقبة الدائمة”، بل أحيانًا أشد من السابق.
فالأفراد يحافظون على الولاء الذاتي خوفًا من العقاب الاجتماعي أو القانوني. مثال: الجنود في الحروب الحديثة يلتزمون بالقوانين العسكرية وأوامر القيادة حتى في غياب المراقبة المباشرة، نتيجة التدريب والانضباط.
وعلى نطاق واسع، فإن المدارس، والجيش، والاعلام الحربي وحتى العادات اليومية تعمل كأدوات إنتاج الولاء للسلطة وتكريسه. مثال: الإعلام الحربي الأمريكي خلال حرب الخليج 1991، أو الحرب على العراق 2003، الذي رسخ شعورًا بدعم الجيش والولاء الوطني.
فالمراقبة الذاتية تعمل كآلية لحماية السلطة، وأن الأفراد يراقبون أنفسهم داخليًا ويحاسبون أنفسهم على أي خيانة محتملة، مما يقلل الحاجة إلى إجبار خارجي دائم. مثال: المجتمعات الحربية في زمن الاحتلال أو الحصار، حيث تنتشر الرقابة المجتمعية والولاء الوطني الداخلي.
وفي علاقة القومية والحرب والمواطنة، نقف على كتابين بارزين، وهما كتاب مايكل مان “الجانب المظلم للديمقراطية” The Dark Side of Democracy، وكتاب إريك هوبسبام (الأمم والنزعة القومية منذ عام 1780) Nations and Nationalism since 1780. وهذه الأعمال تدعم فكرة أن: القومية يمكن أن تكون إدماجية زمن الحرب وإقصائية بعده.
لناحية الطابع الزمني والتحوّلات في القومية، يرى مان أن القومية في سياقات الحرب والتهديد الوطني تعمل كآلية إدماج في مجتمع ما عبر حشد “الشعب” حول فكرة وحدة قومية دفاعية، مثلما يحدث في سياقات النزاع المسلح الكبير، لكن هذه الوحدة ليست دائمًا سلمية أو تضمينية على المدى الطويل ـ بل يمكن أن تتحول إلى إقصاء ممنهج بعد انتهاء الحرب أو حين تتبلور الدولة على أساس قومي صريح.
أمثلة تاريخية مذكورة في الكتاب تدعم التحوّل من إدماجٍ إلى إقصاء:
ـ يوغسلافيا في التسعينيات: خلال حرب انهيار الدولة، تحوّلت القومية من أيديولوجية حشد جماهيري دفاعية في وجه التهديد إلى تنظيف عرقي وإقصاء جماعات بعينها (مثل الألبان من كوسوفو).
ـ أرمينيا وأحداث ما قبلها: الصراعات القومية في الحرب العثمانية/العالمية الأولى أسفرت في نهاية المطاف عن تنحية الأقليات وإقصائها عبر العنف بدعوى “تحقيق وحدة قومية”.
أمثلة من هذا القبيل تظهر كيف يمكن أن تكون القومية في فترة الحرب قوة مدمجة في بدايتها لجمع “الشعب” ضد “الآخر الخارجي”، ثم تتحول إلى آلية إقصاء داخلي تجاه مجموعات تُعتبر غير قومية أو مختلفة.
لناحية إريك هوبسباوم، ورغم أنّ كتابه (الأمم والنزعة القومية) لا يتناول القومية فقط في سياقات النزاع المسلّح، إلا أنّه يقدم فهمًا تاريخيًا لآليات القومية التي توضح كيف يمكن أن تكون مضمارًا للقومية الإدماجية في ظروف الحرب.
هوبسباوم يبيّن أن القومية الحديثة نشأت في زمن الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، حيث أُعيد تشكيل مفهوم الشعب ككلٍ سياسي واحد يتراوح انتماؤه بين الطبقات والمناطق المختلفة، ما يعزز درجة عالية من الانخراط الجماعي في المشروع الوطني (لغة مشتركة، مؤسسات مشتركة، جماعية السلوك السياسي) ـ وهو أساس مفاهيم “الدولة ـ الأمة”.
ولكن في زمن الحرب، وبرغم من إدماجها الأولي، فإنّ القومية تتحول لاحقًا نحو مقاييس أضيق للانتماء (مثل اللغة والعرق)، ما يقوّي مشاعر التمييز ضد الأقليات أو من لا يُطابق المعايير القومية للتجنيد أو حقوق المواطنة.
هوبسباوم يؤكد أن فكرة “الدولة – الأمة” تستلزم في بعض لحظاتها التاريخية إعادة تعريف من هو جزء من الأمة ومن هو خارجها؛ أي أنّ تصور الوحدة الوطنية الذي يوظَّف في الحرب قد يُستبدَل بعد ذلك بسياسات تميّز بين “الجمهور القومي” و”الآخر” (من حيث اللغة والانتماء الثقافي).
ويذكر هوبسباوم أمثلة سياقية من التاريخ العام:
ـ في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، ومع انهيار الإمبراطوريات، ظهرت دول جديدة سعت إلى كتابة تاريخ قومي موحّد وفرض لغة ورمز ثقافي واحد، ما أدى إلى ضغط على الأقليات داخليًا.
ـ حركة القومية في القرن التاسع عشر في العديد من الدول الأوروبية ضمَّنت مجموعات مختلفة أولاً في فكرة شعب موحّد أثناء الحرب أو الصراع ضد قوى خارجية، ثم عملت لاحقًا على فرض معايير أكثر ضيقًا للهوية القومية.
باختصار، عندما تُستخدم القومية كأداة تعبئة في خضم الحرب، فهي غالبًا ما تعمل إدماجيًا، لكن بعد انتهاء الحرب أو في سياقات الدولة الوطنية المستقرة، تميل هذه القومية إلى إعادة تحديد الحدود الاجتماعية والثقافية، مما يؤدي إلى إقصاء مجموعات غير متوافقة مع المعايير القومية الرسمية.
تجارب العار:
على الضد مما يُعتقد بأنه إجراء وطني، فإن لجوء الدول الى الفئات المهمّشة لإدماجها موقتًا في الحرب هو العار نفسه، لأن الاستدماج المؤقت ينطوي على ابتزاز رخيص.
نماذج من الادماج المؤقت:
1ـ المسلمون في الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الوطنية العظمى ضد ألمانيا النازية، في ظل سلطة جوزيف ستالين. فخلال الحرب تمّ تخفيف القيود الدينية مؤقتًا، واستدعي المسلمون (خصوصًا في آسيا الوسطى والقوقاز) للقتال دفاعًا عن الدولة. ولكن بعد الحرب عاد القمع الديني. وتمّ ترحيل جماعي لشعوب مثل الشيشان والتتار بتهمة “عدم الولاء”. والخلاصة، تعبئة دينية/قومية ظرفية، تليها عقوبات جماعية وشك دائم.
2ـ الجزائريون (الحركيون) مع فرنسا خلال حرب الاستقلال، حيث جُنّد عشرات الآلاف من الجزائريين (الحركيون) للقتال إلى جانب فرنسا، وطلب منهم إثبات الولاء الكامل ضد جبهة التحرير. وبعد انتهاء الحرب تُركوا لمصيرهم في الجزائر، وأما الذين نقلوا الى فرنسا فعاشوا في ظروف تهميش قاسية لعقود. والخلاصة: ولاء وظيفي في لحظة استعمارية، ثم تخلي وإقصاء مزدوج.
3ـ جيش لبنان الجنوبي في لبنان: وهو ميليشيا لبنانية متحالفة مع “اسرائيل” خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وقد نشأ بدايةً عام 1976 تحت اسم “جيش لبنان الحر” بقيادة الضابط اللبناني سعد حداد، الذي انشق عن الجيش اللبناني. وفي سياق الحرب الأهلية اللبنانية، ومع تصاعد الاشتباكات في الجنوب، أقام حداد علاقات وثيقة مع إسرائيل.
وفي عام 1979 أُعيد تنظيم القوة رسميًا تحت اسم “جيش لبنان الجنوبي”، وأصبحت عمليًا قوة وكيلة لإسرائيل في “الشريط الحدودي”. وعملت هذه الميليشيا كذراع أمني وعسكري لإسرائيل في المنطقة التي احتلتها بعد اجتياح لبنان 1982. وتولت إدارة الحواجز الأمنية، ومواجهة المقاومة (خصوصًا ضد حركات مثل حزب الله)، وتشغيل سجون مثل معتقل الخيام.
وبعد موت سعد حداد عام 1984، تولّى القيادة أنطوان لحد. ومع تصاعد عمليات المقاومة اللبنانية، وخاصة من قبل حزب الله، تآكلت قدرة المليشيا على الصمود. وفي مايو 2000، أرغمت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان. وكانت النتيجة انهيار جيش لبنان الجنوبي خلال أيام، وفرار آلاف من عناصره وعائلاتهم إلى إسرائيل، وتُرك من بقي لمصيرهم، حيث اعتُقل بعضهم من قبل الدولة اللبنانية أو خضعوا لمحاكمات. وعمليًا، تركت اسرائيل حلفاءها لمصيرهم، الذين نقموا عليها وعبّروا عن ذلك، فيما عاش من انتقلوا الى الكيان الاسرائيلي حياة قاسية واضطر بعضهم للرحيل الى أوروبا، فيما كان يسعى مئات منهم للحصول على عفو خاص والعودة الى لبنان. وكان الانسحاب الاسرائيلي من لبنان قد أدى إلى انهيار مفاجئ للمنظومة الأمنية التي كان يعتمد عليها، وقد عدّ كثير منهم أنهم تُركوا دون غطاء، رغم أن “إسرائيل” سمحت لعدد منهم باللجوء إليها.
4ـ السود في الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية. فخلال الحرب جُنّد العبيد السابقون في جيش الاتحاد، وطُلب منهم إثبات الولاء للدولة. ولكن بعد الحرب، شهدت فترة قصيرة من الحقوق (إعادة الإعمار)، ولكن ما لبث أن فرضت قوانين الفصل العنصري وقمع سياسي واجتماعي طويل. الخلاصة: استدعاء للمواطنة في لحظة الحرب، ثم سحبها فعليًا لاحقًا.
5 ـ الشيعة في العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث طلب من الشيعة إثبات الولاء الوطني ضد إيران، وشاركو بكثافة في الجيش، ولكن بعد الحرب استمر الشك الأمني تجاههم، ثم حصل قمع واسع، بلغ ذروته بعد انتفاضة 1991. والخلاصة: ولاء مفروض تحت ضغط الحرب، يقابله استمرار الشبهة والتمييز.
6ـ الهنود المسلمون في ظل الحكم البريطاني خلال الحربين العالميتين، حيث جُنّد مئات الآلاف من الهنود (بمن فيهم المسلمون) في الجيش البريطاني، واستُخدم خطاب الولاء للإمبراطورية مقابل وعود بالإصلاح. ولكن بعد الحرب تبخرت الوعود، واستمر القمع وكان مثالها البارز مذبحة جاليونوالا باغ بمدينة أمريتسار في 13 أبريل سنة 1919، حين أطلق الجنود البريطانيون النار على حشد من المدنيين العزّل، بأمر من الضابط ريجنالد داير، ما أدى إلى مقتل مئات (وربما أكثر من ألف) شخص.
وخلفية المذبحة أن هؤلاء الذين شاركوا في الحرب الى جانب بريطانيا توقعوا بأن تكافئ الهند بمنحها حكمًا ذاتيًا أو إصلاحات سياسية. ولكن بدلًا من ذلك، زادت بريطانيا من القيود الأمنية، وأصدرت قانون رولات الذي يسمح باعتقال الأفراد دون محاكمة، وعدّ هذا القانون خيانة للوعود البريطانية، ما أثار غضبًا شعبيًا واسعًا، ودعا الزعيم المهاتما غاندي إلى احتجاجات سلمية (ساتياغراها). وفي يوم المذبحة، تجمّع آلاف المدنيين في حديقة جاليانوالا باغ، بعضهم للاحتجاج، وكثيرون لحضور مهرجان ديني (عيد بيساخي)، ولكن الجنرال داير دخل مع قواته وأغلق المداخل، أمر بإطلاق النار دون إنذار على الحشد، واستمر إطلاق النار حتى نفدت الذخيرة تقريبًا. فقد تعامل البريطانيون، من خلفية استعمارية قمعية، مع الهند كإقليم يجب ضبطه بالقوة. وداير نفسه صرّح بأنه أراد “إعطاء درس لن يُنسى”. وقد أصبحت المذبحة نقطة تحول رئيسية في مسار الحركة الوطنية الهندية. في النتائج، كانت المذبحة نتيجة تفاعل ثلاثة عوامل: خيبة أمل سياسية بعد الحرب العالمية الأولى، قمع قانوني (قانون رولات)، ذهنية استعمارية تخشى التمرد وتعتمد العنف الوقائي. وقد ساهمت بشكل حاسم في تحويل النضال الهندي من المطالبة بالإصلاح إلى السعي للاستقلال الكامل. الخلاصة: تعبئة استعمارية باسم الولاء، ثم نكوص عن الالتزامات.
7ـ الأمريكيون اليابانيون: فقد حصل اعتقال جماعي لأكثر من 120 ألف أمريكي من أصل ياباني في معسكرات داخلية بعد الهجوم على بيرل هاربور. والمفارقة، طُلب من هؤلاء إثبات الولاء (استبيانات، خدمة عسكرية، قسم الولاء). في النتائج، تشكّلت وحد قتالية (الفوج الهجومي الثاني) من هؤلاء وأصبحت من أكثر الوحدات بطولة. ولكن ماذا حصل بعد الحرب؟ لم يُكافأ أي منهم، بل استمرت العنصرية والتمييز لعقود، واستمرت حتى عام 1988 حيث حصل اعتذار رسمي.
والخلاصة: ولاء تحت الإكراه أثناء الأزمة، ثم تهميش بعد انتهائها.
يقدّم كتاب نيتشي ويجلين “سنوات العار” شواهد قوية على تعقيدات الولاء في زمن الحرب من خلال تجربة المجتمع الياباني ‑ الأميركي بعد هجوم بيرل هاربر من خلال السؤال عن الولاء خلال الحرب. فقد فرضت الحكومة الأميركية على (المعتقلين) استبيان “الولاء” يتضمن أسئلة صعبة مثل:
ـ هل أنت مستعد للخدمة العسكرية في الولايات المتحدة؟
ـ هل تتخلى عن أي ولاء للإمبراطور الياباني؟
وقد خلق هذا الاستبيان انقسامات داخل المجتمع نفسه بين من أجابوا بـ “نعم” لخدمة الجيش؛ ومن رفضوا لأسباب أخلاقية أو بسبب معاملة غير عادلة؛ وهذا يعكس توترًا صريحًا في مفهوم الولاء في أوقات الحرب ـ أي أن الولاء لم يكن بديهيًا أو موحدًا حتى داخل المجموعة نفسها.
وبرغم من اعتقالهم، تطوّع أو تمّ إرسال عدد منهم للخدمة العسكرية (مثل وحدات 442 فريق قتال الفوج الثاني) كطريقة لإثبات ولائهم للدولة. هذا يظهر كيف أن أفرادًا كانوا يُعاملون كمشتبه فيهم استخدموا الخدمة العسكرية كوسيلة لإثبات ولائهم الوطني.
الكتاب يبيّن أن الولاء في زمن الحرب يمكن أن يكون معقدًا، متأرجحًا بين الإكراه الاجتماعي والدافع الأخلاقي الفردي، وأن الدولة نفسها قد تضع أطرًا (استبيانات/شروط) تختبر بها ولاء مواطنيها بطريقة تؤدي أحيانًا إلى انقسامات.
بالنسبة إلى كتاب دون دبليو. داور (ثقافات الحرب) Cultures of War ، وإن لم يركّز بشكل حصري على مفهوم الولاء كمصطلح نفسي أو قانوني، فإن تحليل داور للقيم الثقافية في أوقات الحرب يتضمن إشارات مفيدة لفهم الولاء كسلوك اجتماعي وسياسي من بينها لغة الحرب والاخلاص الجماعي. يناقش داور كيف أن خطاب الحرب، مثلاً، وصف هجوم بيرل هاربر بأنه خيانة/عار يصبح رمزًا يوحّد مجموعة واسعة من الناس حول تصور موحَّد للعدو والواجب الوطني. هذا الخطاب يعمل كمحفز لإعادة تعريف ما يعنيه “الولاء” الجماعي في سياق الحرب.
الكاتب يشير إلى أن الأحداث الكبرى (بيرل هاربر، 9‑11) تؤدي إلى تبلوّر سرد قومي معيَّن يُربط الإعتراف بالعدو بالولاء المطلق للوطن، ما يغلق مجال النقاش ويحدّ من التعددية في مفهوم الولاء داخل المجتمع.
في تفسيرداور، الحرب تخلق ثقافة قومية موحَّدة تتطلب من الأفراد تجسيد الولاء بصورة متجانسة وواضحة، وغالبًا تُستغل هذه الثقافة لإقصاء المختلفين داخل المجتمع.
ويمكن هنا أن نعقد مقارنة بين كتابي (سنوات العار) و(ثقافات الحرب)، حيث يؤكد الأول تناقضات الولاء داخل مجتمع مضطهد؛ وأن الولاء ليس مفهومًا موحدًا، خاصة حين يُختبر قانونيًا وإداريًا في سياق الحرب. من جهة ثانية، فإن كتاب (ثقافات الحرب) يبين أنّ خطاب الحرب يقوّي نمطًا من الولاء الجماعي القومي الذي يغلق المجال أمام الولاءات المتعددة، ما يمكن أن يفضي إلى اضطهاد داخلي لاحق لمن لا يتوافق مع النموذج القومي.
في “سنوات العار” تجارب مثل اختبار الولاء وخلط الاعتقال بالخدمة العسكرية تُظهر أن الولاء يمكن أن يكون سلاحًا مزدوجًا. فمن جهة يكون أداة لتحقيق القبول والتكامل (مثل إنخراط اليابانيين ـ الأميركيين في الجيش)، ومن جهة ثانية فهو أداة اختبار ووصم للآخر (استبعاد المشتبه فيهم أو من رفضوا شروط الولاء).
في سياق الحرب، يظهر الولاء كقيمة معقدة تتأرجح بين الطاعة المفروضة والالتزام الأخلاقي الداخلي. نعود مجدّدًا الى كتاب (سنوات العار) وعرضه لتجربة اليابانيين ـ الأميركيين خلال الحرب العالمية الثانية كمثال حاد على هذه الديناميكية حين يسئل المعتقلون عن استعدادهم للتخلي عن ولاءهم للإمبراطور الياباني والانخراط في الخدمة العسكرية الأميركية. هذا الاختبار أوجد انقسامات داخل المجتمع نفسه، بين من وافقوا لتعزيز ولائهم الوطني ومن رفضوا لأسباب أخلاقية، ما يعكس أن الولاء في زمن الحرب ليس بديهيًا أو موحدًا، بل يتشكل في مواجهة الضغوط القانونية والاجتماعية. ومع ذلك، فقد استثمر بعض المعتقلين الخدمة العسكرية كوسيلة لإثبات ولائهم، مما يظهر كيف يمكن للفرد أن يحوّل الإكراه الخارجي إلى أداة لإعادة تأكيد الانتماء الوطني.
من جهة أخرى، يوضح داور في (ثقافات الحرب) أن الحرب تعمل على إنتاج خطاب قومي موحد، يجسد الولاء كقيمة جماعية مطلقة، ويقوي الهوية الوطنية عبر السرديات التي تحدد العدو والمواطنين المخلصين (وهذا نجده واضحًا في إيران بعد العدوان الصهيوأميركي). هذا الخطاب لا يقتصر على التعبئة أثناء الحرب، بل يمتد لتشكيل ثقافة وطنية تضغط على الأفراد لتبني الولاء المطلق، وفي الوقت نفسه تضعف أو تُقصي الولاءات المتعددة أو المختلفين داخل المجتمع.
وعليه، تظهر قراءة هذين العملين أن الولاء في زمن الحرب ليس مجرد التزام قانوني أو أخلاقي، بل نتاج شبكة معقدة من الانضباط، والضغط الاجتماعي، والخطاب الثقافي والسياسي. إنه قيمة متغيرة، قد تكون إدماجية خلال الحرب لتوحيد الجبهة الداخلية، لكنها قد تتحول إلى أداة إقصاء ضد من يُنظر إليهم كـ “آخر داخلي” بعد نهاية الصراع أو في سياقات تثبيت السلطة الوطنية (كما حصل في الكويت في أزمة الخليج الثانية).
الولاء تحت الإكراه:
تكشف تجارب تاريخية متعددة عن نمط متكرر في سلوك السلطة السياسية: حين تواجه تهديدًا خارجيًا أو أزمة وجودية، تسعى إلى توسيع دائرة “الانتماء” واستدعاء ولاءات كانت موضع شك أو تهميش. غير أن هذا الانفتاح غالبًا ما يكون مؤقتًا ووظيفيًا، إذ تعود السلطة ـ بعد انحسار التهديد ـ إلى أنماطها الأصلية من الإقصاء والتمييز.
هذا يفتح باب النقاش على محاور أخرى مثل العقد الاجتماعي المشروط. ففي السياق الطبيعي، يفترض جان جاك روسو أن العقد الاجتماعي يقوم على مساواة قانونية بين المواطنين. لكن في حالاتنا، يظهر ما يمكن تسميته “العقد الاجتماعي المؤقت”، أي اتفاق ضمني مشروط بالولاء في زمن الأزمة، لا بالحقوق الدائمة. وهذا العقد لا يُؤسس على مبدأ، بل على حاجة وينتهي بانتهاء الظرف الذي استدعاه.
وهنا نكون أمام مفارقة الشرعية، حيث أن الأنظمة التي تعتمد على التمييز (عرقي، طائفي، سياسي) تواجه معضلة: إذا اعترفت بمساواة حقيقية، فإنها تهدد أسس تمايزها، وإذا استمرت في الإقصاء، فإنها تضعف قدرتها التعبوية. فالحل الذي تعتمده: إدماج تكتيكي+إقصاء استراتيجي.
فالولاء يُفهم كوظيفة لا كعلاقة سياسية مستدامة. لأن الولاء يجب، بحسب هابرماس، أن يبنى على التشاركية. ولكن إدماج الجماعات بشكل دائم قد يعيد توزيع القوة داخل الدولة، وهذا ما يثير مخاوفها من تمكين هذه الجماعات.
ففي الدول التي لا يقوم فيها العقد الاجتماعي على مساواة حقيقية، يتحول الولاء إلى مورد يُستدعى في الأزمات ويُعاد مصادرته في أوقات الاستقرار. أو بصياغة أكثر تركيزًا: “الولاء المؤقت هو الوجه الآخر للإقصاء الدائم”. وعليه، لا يكمن اختبار صدقية الدولة في قدرتها على تعبئة مواطنيها زمن الحرب، بل في قدرتها على الاعتراف بهم زمن السلم. فالدولة التي لا تعترف بمواطنيها إلا حين تحتاج إليهم، إنما تكشف ـ في جوهرها ـ أنها لا ترى فيهم شركاء، بل أدوات.





