انتفاضة الكرامة – الجذور المؤسِّسة وصواعق التفجير

قراءة في الحراك الشيعي 2011 – 2017 شرق الجزيرة العربية
حمزة الشاخوري
عناصر البحث:
– مدخل
– إطلالة تاريخية
– انقلاب السلطة على وعودها
– سيناريوهات علاقة الشيعة والسلطة
– خسارة الرهان على العرائض المطلبية
– تقويض مشروع الموادعة
– فشل المعالجات الهادئة
– القوى المؤسسة لانتفاضة الكرامة
– اجتياح العوامية.. رسائل عنف السلطة
– انتفاضة الكرامة.. عوامل القوة والتحديات
– الشيعة.. أزمة الزعامة والتمثيل
مدخل:
في 17فبراير2011 خرجت مجاميع شبابية في عدد من بلدات القطيف، مطالبة بالإفراج عن تسعة معتقلين مضى على سجنهم حتى ذلك الحين 16 سنة دون محاكمة أو تهم محددة، وسرعان ما تفاعل الشارع الشيعي في الأحساء مع أصوات المتظاهرين في القطيف، لاسيما في ظل تأثيرات ما عُرف بموجة “الربيع العربي” وتموجات الثورتين التونسية والمصرية وتفاعلات احتجاجات البحرين التي انطلقت في 14 فبراير من العام نفسه. وخلال الأسابيع والشهور التالية وعلى أثر عنف السلطة في مواجهة المتظاهرين في الأحساء والقطيف واعتقال العشرات منهم، اندفعت حشود أضخم إلى الشوارع، ولجأت السلطة السعودية الى الاستخدام المفرط للعنف بإطلاق الرصاص الحي وقتلت الشاب الشهيد ناصر المحيشي في 20 نوفمبر2011 لينفجر طوفان الغضب الشيعي، وتعج الشوارع بعشرات الآلاف من الناقمين على سياسات السلطة بحق الشيعة طوال عقود الحكم السعودي في المنطقة.
ولم تتوقف التظاهرات والأنشطة الاحتجاجية حتى منتصف 2017 بعد أن قتلت السلطات السعودية ميدانيا وتحت التعذيب وعبر التفجيرات والاقتحامات الدامية للمنازل والإعدامات ما يزيد عن 200 شهيد فضلا عن مئات المصابين ونحو 1400 معتقل لا يزال نحو 500 منهم يرزحون في زنازين سجون المباحث في الرياض وجدة والدمام، وقد كان للمرأة والطفل نصيب من القتل والجرح والاعتقال والتعذيب!
وليس عصيًا رصد حال الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار الذي تتصف به حياة الطائفة الشيعية في شبه الجزيرة العربية منذ قيام الحكم السعودي وحتى اليوم. استمرّ وضع الحياة الشيعية يتقلّب بين الهدوء والاضطراب، ولكنه لم يعرف الاستقرار الحقيقي البته، قد تمرّ سنوات من الكمون والخمول وتظهر صور من السلوك الخادع التي تشي باستقرار الأوضاع، فما تلبث الأحداث التي تطرأ لأي سبب أو آخر أن تكشط القشرة الخادعة لتتكشف حقائق الواقع عن أتون من الغضب الشعبي العارم المحتقن وسط صدور قوافل الفقراء والمهمشين وداخل أرواح طوابير المحرومين والمضطهدين في القطيف والأحساء.. ليس عبثًا أو اعتباطًا استمرار حال الاضطراب والسخط وعدم الرضا لدى السكان الشيعة وهم أصل المنطقة وجذرها، فلماذا يتفاقم الشعور لدى عموم الشيعة بغياب الوطن؟ ولماذا تؤكد الأحداث المتلاحقة بأن الشيعة لا يزالوا يبحثون بلهاث محموم ومضني عن الوطن المفقود، عن وطن يحتضنهم ويؤويهم؟
الشيعة في شبه الجزيرة العربية ليسوا بدعًا من دون الناس، فالشيعي كأي إنسان حر كريم في أي بقعة من أرض الله الواسعة، حين يتعرّض للظلم وتُنتهك كرامته وتُدنس مقدساته الدينية والتاريخية وتُضيّق عليه سُبل العيش وتُصادر حريته ويُمارس ضده التمييز ويُحرم من ثروات وطنه، وأكثر من ذلك حين تعمل سياسات البلاد على محو تاريخه وتغييب معالم هويته وطمس آثاره التاريخية وتراثه الثقافي والعمراني، ويتم التخطيط الاستراتيجي لتغيير خارطة التركيبة الديموغرافية لمنطقته، فيتمتع الوافدون إليها من مناطق أهل الحكم ومناصريهم بحقوق وامتيازات يُحرم منها السكان الأصليون، فإن النتيجة الطبيعية لهذه السياسات أن ينتفض الشعبُ ضدها ويسعى للخلاص من ربقتها ونكالها مهما كان ثمن تحرره وخلاصه غاليًا، فكرامة الإنسان فوق كلّ اعتبار لدى كافة البشر الأحرار والأسوياء.
فعلاقة الطائفة الشيعية بالسلطة في جميع الحقب والعهود اتسمت إما بالقطيعة أو التوتر والاحتقان، وجوهر المشكلة في اضطراب العلاقة تعود لأزمة الثقة المترسخة والمتجددة على الدوام، فالسلطة لم تثق يومًا بالشيعة على امتداد خارطة البلاد، ولجأت لإقامة الأسوار من حولهم بهدف عزلهم وتهميشهم وإبعادهم عن مصادر القرار وإقصائهم من المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية، وعملت على تسخير إمكانات البلاد الإعلامية وتجنيدها لمحاربة عقائد الشيعة وتاريخهم، فكيف يمكننا تصور الانعكاس النفسي والفكري للمواطن حين يُشتم ويُهاجم من خلال منابر وقنوات إعلام ما يفترض أنه وطنه الذي ينتمي إليه؟ وكيف يمكننا تخيل التأثير الذي يفرزه تمتع كلّ المجندين في مفارز التكفيريين والطائفيين لمهاجمة الشيعة والنيل منهم ومن عقائدهم ورموزهم ومقدساتهم بحماية مطلقة قانونيًا وقضائيًا وسياسيًا تحميهم من المساءلة فضلا عن العقوبة، بل كيف لنا أن نستوعب أن تقوم الدولة بتمويل حملات التهريج ضد الشيعة، فكم من المطبوعات والكتب والنشرات التي طُبعت من قبل المؤسسات والهيئات الرسمية أو شبه الرسمية وبأموال وميزانيات مخصصة رسمياً!!
العمل وفق مخطط وسياسة التمييز الطائفي والمناطقي لم يتوقف يومًا بل استمر في التصاعد وبات ينهش حياة الشيعة كالغول المفترس حتى في ظل عقد التسعينيات من القرن الماضي الذي اتسم خلاله النشاط المطلبي للطائفة بالسكون والخمول، ولنا أن نأخذ مثالًا ما صرّح به المرحوم المهندس رياض المصطفى رئيس المجلس البلدي في محافظة القطيف آنداك لصحيفة الحياة حول مخصصات بلدية المحافظة من الميزانية المدمجة مع أمانة الدمام حيث ذكر أنه قام بـ «دراسة تحليلية للفصل المالي لموازناتها خلال السنوات العشر الماضية، وعرضت على أمين الشرقية، وتبين أن الفرد في المحافظة يناله 90 ريالاً من باب المشاريع، فيما ينال الفرد في حاضرة الدمام والمحافظات الأخرى ما يفوق 300 إلى 400 ريال، وأن 15 في المئة فقط من موازنة الأمانة هي حصة القطيف، بينما نسبة عدد سكانها في حدود 36 في المئة.. إن ما خصصته أمانة الشرقية لـ”محافظة القطيف” من المشاريع المدمجة، بلغت أربعة في المئة، وبنحو 26 مليوناً من واقع 763 مليوناً، جلها ذهب لحاضرة الدمام وقامت الأمانة، بحرمان القطيف من أي مخصص من فائض الموازنة الذي بلغ 187 مليون ريال».
إن السياسات والممارسات الطائفية والتمييزية لا تصنع وطنًا في أي أرضٍ كانت، ولا يقبل بها بشر من أي ديانة أو مذهب أو عرق كانوا.. وقد شكل هذا الواقع المر والمؤلم مصدر اليأس والإحباط والغضب والرفض الشيعي!
وفي هذا السياق نفهم أن صرخة الشهيد الشيخ نمر النمر وتلويحه بالانفصال وخطابه المطلبي كان يستمد من الواقع المأساوي ومن أوجاع الحياة اليومية وعذاباتها كامل مبرراته ومشروعيته، ويعبّر عن المكنون في صدر وقلب كل فرد شيعي من أبناء الاحساء والقطيف، والفرق أن الشيخ النمر امتلك الشجاعة والجرأة للتصريح بما يخشى ويخاف الآخرون من البوح به والإعلان عنه.
كان بإمكان السلطة معالجة تلك المبررات وسحب مشروعية ذاك الخطاب والقضاء عليها حتى لا يعود هناك سبب لخطاب مطلبي يصرخ ويندد ويقاوم الظلم والامتهان، ولكن وكما اعتدنا دائماً تتجه السلطة للتعامل مع رسالة المطالب الشيعية بقبضة الحديد والنار والتنكيل، مما يُرسّخ ويؤكد ويديم مشروعية المطالب وحق المطالبين في إعلاء صوتهم ورفض ما يتعرضون له من ألوان الظلم وانتهاك الحقوق الإنسانية على وجه العموم.
وشكل اعتقال السلطة أكثر من خمسة وثلاثون شابًا على خلفية التضامن مع إعلان المطالب الذي جهر به الشيخ النمر لحظة فاصلة في المشهد السياسي المحلي، وأخفقت السلطة في كسر موجة التفاعل الجماهيري مع أطروحة الشيخ النمر، وتحول أولئك المعتقلين إلى رموز مؤثرة في مسيرة النضال من أجل الحرية والعدالة والمساواة والكرامة.
وقد حملت خطب العديد من الرموز الشيعية بينهم الشيخ توفيق العامر والشيخ محمد العباد في الأحساء، والشيخ عبدالكريم آل حبيل في القطيف والسيد محمد باقر الناصر في الخبر ذات الملامح المطلبية، وأكدت على سياق المظلومية والاضطهاد والحرمان الذي يتعرّض له الشيعة، ولم يخشوا الإفصاح عن المطالبة بحقوق الطائفة المدنية والسياسية والاقتصادية، فطالما استمر الظلم والتمييز، فالحركة المطلبية لا يوقفها اعتقال العشرات ولا المئات ولا مطاردة خطيب هنا ورمز هناك ولا احتجاب شخصية هنالك، لأن من طبيعة التحرك الشعبي المشروع أنه يصنع جمهوره ومريديه وحملة رسالته في ظروف المحن واشتداد المواجهة أكثر مما يصنع ويبني في ظروف الرخاء والسكون!
وليس في تجارب شعوب العالم كله على امتداد التاريخ أن دولة استطاعت إلغاء مطالب شعبها أو وأد كفاحه المشروع عبر القمع والقهر، بل الثابت في تجارب كثيرة أن سياسة القمع والعنف تؤدي غالبًا لاستنزاف إمكانات السلطة وإنهاك قواها وتقويض الاستقرار ومن ثم تفضي إلى قطيعة شاملة وأبدية بينها وبين الشعب المضطهد والمقهور.
في هذه البحث لسنا بصدد تتبع وسرد يوميات الانتفاضة وفصولها، بل نريد استكشاف الجذور المؤسّسة للانتفاضة، والبحث في العوامل التي ساهمت في خلق أرضية الاحتجاج والثورة وغدتها بطاقة الاستمرار لما يزيد على ست سنوات امتدّت بين 2011 وحتى 2017 رغم تعاظم حجم التضحيات وتغول السلطة وبطشها بالبشر والحجر والممتلكات، وسنعرض بشيء من التفصيل لاجتياح العوامية وحصارها لما له من دلالات جوهرية عن طبيعة موقف السلطة السعودية من الشيعة، ثم نحاول تقديم تقييم لمجمل الحراك الشيعي خلال سنوات الانتفاضة ونختم بمناقشة مسألة الزعامة والتمثيل في المجتمع الشيعي المحلي.
إطلالة تاريخية:
يتوزع الشيعة في شبه الجزيرة العربية على رقعة شاسعة تشمل مناطق إقليم الأحساء والقطيف في الشرق حيث يشكل الشيعة غالبية الكثافة السكانية رغم سياسات التغيير الديموغرافي التي لجأت إليها السلطة السعودية منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، ويتواجد الشيعة بأعداد غير قليلة في المدينة المنورة وكذلك في عدد من مدن ومناطق الجنوب، وأعداد أقل في مدن الوسط والشمال، ويقدر عدد الشيعة إجمالًا بنسبة تتراوح بين 15% وحتى 20% من مجموع السكان الأصليين.
وتمتاز مناطق الشيعة في شرق الجزيرة بأهمية استراتيجية حيث الموقع الجغرافي المطل على الخليج الفارسي والطبيعة الجيولوجية والمصدر الرئيس للمخزون النفطي والثروة الزراعية والبحرية.. كذلك فإن المناطق الشيعية في القطيف والأحساء تحتفظ بمكانة مرموقة في التاريخ، ولها من التراث ما يشهد بعمق تأثيرها في مسار تاريخ البلاد بل والعالم الإسلامي عامة، منذ القرن الأول الهجري.
ولقد تبلور مبكرًا الشعور والوعي الشيعي بفداحة سيطرة السعوديين على المنطقة، في القرن الثامن عشر 1727، جرّاء ما لحق بهم من المجازر الدموية والمظالم والحرمان والانتهاكات الصارخة والمصادرة الفظيعة لكافة حقوقهم الإنسانية، وبالأخص حملات التكفير التي اتكأت على العقيدة الوهابية، ومع تأسيس النسخة الثالثة للكيان السعودي العام 1932 تصاعدت صور الظلم والتعدي على حياة أبناء المنطقة وممتلكاتهم فضلًا عن تدنيس المقدسات والحرمات واعتماد سياسات الاضطهاد الطائفي والتمييز المناطقي.
وحين انطلقت المحاولات الشعبية المختلفة لإزاحة سلطة النظام والتخفيف من سطوته وطغيانه وغطرسته، شكل الشيعة رقمًا مؤثرًا في جميع تلك المحاولات والحركات التحررية التي شهدتها المناطق التي احتلها ابن سعود إثر غزوات جيش الإخوان في ظل الدعم والحماية البريطانية قبالة النفوذ العثماني، ولقد تنوع الإسهام الشيعي في الحركات المعارضة على مستوى المشاركة في التأسيس والتخطيط والتنظير وانتهاء بالدور الفعال في تنفيذ البرامج والأنشطة على صعيد المشاركات النخبوية والجماهيرية بكل ما عناه ذلك من تقديم التضحيات السخية والتعرض لشتى أصناف المعاناة من الاعتقال والتعذيب والمطاردة والنفي والقتل.
المشاركات الشيعية المبكرة لم تستند إلى أطر العمل الديني أو الانتماء المذهبي، المنحصرة آنذاك في مؤسسات وكيانات تقليدية تمثلت في المساجد والحسينيات، إذ لم تتطلع تلك الأطر التقليدية لتأسيس عمل مؤسسي منظم يستثمر إمكانات الطائفة وقدرات جمهورها وتوظيفها ضمن خطة استراتيجية للخلاص من الاحتلال السعودي أو مقاومة انتهاكاته وتعدياته، بل يمكن القول بأن الشيعة كجماعة دينية/مذهبية لم تشهد أي حراك سياسي حزبي قبل الثمانينيات من القرن الماضي، وأن بداية التحول الفعلي لدى الشيعة نحو الاقتناع بأهمية تفعيل العمل المنظم في مواجهة احتلال ابن سعود تأخر حتى منتصف السبعينيات، ولم ينفك ذلك التحول من تأثيرات التلاقح الفكري والثقافي مع تيارات وتنظيمات إسلامية ويسارية في ساحات ساخنة خارج مناطق الاحتلال والنفوذ السعودي، وهكذا شكل الشيعة الرافد البشري وطليعة الكوادر والقيادات للأحزاب والحركات السياسية التي نشأت في المنطقة ومنها: الحزب الشيوعي السعودي، جبهة التحرير الوطني، حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب الديمقراطي الشعبي، واتحاد شعب الجزيرة العربية.
وشكلت ثورة الإمام الشهيد الشيخ محمد بن ناصر النمر عام 1928 اللبنة الأولى في سلسلة الاحتجاجات الشعبية ضد سلطة الحكم السعودي، تلتها لاحقًا الإضرابات العمالية في شركة أرامكو العام 1953 وأيضا العام 1956، مرورًا بعدد من المواجهات الصغيرة في أكثر من مدينة وقرية ضد قوى الأمن ومطاوعة الوهابية، وصولًا إلى الهبّة الشعبية الكبرى خلال انتفاضة المحرم 1979 وهي انتفاضة أسست لمشروع سياسي مكثف وفعال استمر نحو 20 عامًا بعد أن نضجت في المجتمع الشيعي أول تجربة عمل سياسي منظم تمخض عن ولادة حركتين معارضتين: “منظمة الثورة الإسلامية” 1979 وتلاها لاحقًا “حزب الله الحجاز” 1987. وقد نجح التنظيمان في رفع مستوى الوعي والتطلع السياسي لدى عموم المجتمع الشيعي المحلي، وكسر جدار الصمت والتعتيم الإعلامي وفضح انتهاكات النظام وتجاوزاته وتعرية سياساته الطائفية والاستبدادية وتخلف آليات ونظم إدارة شؤون البلاد وانعدام المشاركة الشعبية.
كان الإعلان عن تأسيس “منظمة الثورة الإسلامية” كحركة دينية شيعية معارضة، بمثابة ثورة حقيقية ليس على النظام السياسي السعودي فحسب، بل وثورة على الكثير من المفاهيم والتقاليد والأعراف والأطر الاجتماعية السائدة في الوسط الشيعي المحلي، وهي تجربة سياسية انحصرت ضمن تيار مرجعي محدد، وتلونت برداء زعامات دينية تنتمي إلى خط فكري واحد، أعاقها عن الانفتاح الحقيقي على أطياف وتيارات المجتمع الشيعي المحلي المتنوع، ففشلت في اختراق البؤر والحواضن الشعبية غير المنتمية لتيارها المرجعي، ما حرمها فرصة الاستثمار الشامل لطاقات وإمكانات الجماهير الشيعية في شبه الجزيرة العربية. بل تسبب عدم التنوع المرجعي بين قياداتها وكوادرها وقواعدها الجماهيرية في خلق الكثير من الانقسامات والاعتراضات والأزمات في أوساط الشيعة محلياً. وليس من المبالغة القول بأنه لو قُدّر للحركة السياسية الأولى استيعاب جماهير وقوى وتيارات المجتمع الشيعي المحلي بكل أطيافه الثقافية والمرجعية لأتيح لها تحقيق التطلعات الكبرى للمجتمع المحلي، وإرغام النظام السعودي على تغيير موقفه من الشيعة والتخلي عن سياسات التمييز والاضطهاد بحقهم.
وجاء تأسيس “حزب الله الحجاز” ليسد فراغًا كبيرًا ويستقطب ويبني تيارًا واسعًا خارج دوائر التوجه المرجعي الذي احتضن “منظمة الثورة الإسلامية” وبذلك اتسعت رقعة العمل المعارض في الساحة الشيعية، وتعددت الأطروحات والمناهج والأساليب، كما تقلصت الشريحة التقليدية الساكنة لصالح تمدد الحواضن والبؤر الجماهيرية المسيّسة.
وفي أعقاب المتغيرات الدولية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، وبالتحديد ما بعد حرب تحرير الكويت في فبراير 1991 شهدت منظمة الثورة الإسلامية نقاشات داخلية عاصفة قادت إلى تحولات عميقة في طبيعة خطابها السياسي والإعلامي قاد إلى تغيير اسمها ليصبح “الحركة الإصلاحية في الجزيرة العربية”، وفي 1992 انفتحت نافذة تواصلها مع النظام السعودي بهدف تسوية ملفات المسألة الشيعية وإنهاء حالة القطيعة مع النظام، واستمر ما عُرف بـ”حوار الملك فهد مع المعارضة الشيعية” حتى صيف العام 1993حيث شهد وقف أنشطة المعارضة في الخارج وعودة قياداتها وكوادرها إلى الداخل، وسرعان ما شملت طوابير العائدين أبرز وجوه قيادات وكوادر حزب الله الحجاز أيضا!
مع وصول طلائع العائدين من قيادات وكوادر المعارضة من الخارج إلى أرض الأحساء والقطيف باتت المنطقة تتهيأ لمرحلة من التحولات السياسية والاجتماعية، التي ربما غابت ملامحها آنذاك عن وعي وأذهان قوافل العائدين أنفسهم وعن السلطة السعودية كذلك.
حينها كان الشك والريبة يحكمان تفكير وعلاقة الطرفين، خصوصًا وأن السلطة رصدت مبكرًا وربما حتى قبل عودة المعارضين الانقسام الحاد في صفوفهم اتجاه عملية المصالحة، وأن طيفًا واسعًا من العائدين سواء من أعضاء وتيار “منظمة الثورة الإسلامية” أو كوادر وأعضاء “حزب الله الحجاز” كان يراهن على استغلال الأجواء التي أتاحتها المصالحة لترتيب أوراقه والتخفف من أثقال منافي الغربة وتحدياتها واستعادة أنفاسه ليعود مجددًا إلى ميدان المنازلة والصراع مع النظام. وفي المقابل كانت المعارضة حذرة في محض الثقة والاطمئنان إلى وعود النظام، وظلّت لبضع سنوات تخشى وتترقب احتمالات انقضاض أجهزته الأمنية عليها، بل أجزم ان بعضهم تمنّى تهوّر السلطة لترتكب خطأ من هذا النوع عبر اعتقال أي من الرموز والقيادات العائدة “أحدهم أسرّ لي بذلك منتصف العام 1995 قائلا: “حتى تحترق الطبخة، وينفرط عقد المصالحة، فيجد من استأنس حياة الدعة والاستقرار نفسه مضطرًا لمواجهة النظام وبالتالي يجد المتطلعون إلى تفعيل العمل المعارض المناخ والظروف الملائمة والمبررات السياسية والاجتماعية” إلى جانب ما برز مبكرًا من مماطلة السلطة في الوفاء بتعهداتها فيما يخص معالجة الملف الشيعي وتحقيق المطالب الجوهرية.
وخلال بضع سنوات -بعد عودة المعارضة إلى الداخل- تبلورت ثلاث قوى وأطياف سياسية آلت على نفسها أن تلقي راية الكفاح ورفضت التخلي عن مسؤوليات النضال ضد استبداد وديكتاتورية النظام السعودي. أطياف ثلاثة ربما تتباين في الرؤى والتوجهات ومناهج العمل والتحرك، ويجمع بينها الايمان الراسخ بحق أهالي المنطقة الأصيل في مقاومة ما يتعرضون له من ظلم وبطش وتهميش وتمييز على مختلف أصعدة الحياة. وهذه الورقة لا تهدف إلى تقديم دراسة تفصيلية للتعريف بتلك القوى والأطياف الثلاثة، لكن أشير لها إجمالًا: تيار خط الإمام كامتداد جماهيري لـ”حزب الله الحجاز”، والتيار الرسالي بقيادة الشهيد الشيخ نمر باقر النمر، و”حركة خلاص في الجزيرة العربية” بقيادة الدكتورين حمزة الحسن وفؤاد ابراهيم.
وفي الخلاصة فإن معركة الشيعة في مواجهة سلطة الاستبداد السعودي امتدت بعمر العرش السعودي نفسه، وتنوعت مشاربها ومناهجها ووسائل وأساليب عملها السياسي بين الثوري الجذري والاصلاحي والحقوقي، وغالبًا ما كانت بعيدة عن النخبوية وأقرب للجماهير والقواعد الشعبية، وامتازت في مراحلها المختلفة بالقدرة على تحريك الشارع وتوظيف الجماهير وتوجيهها نحو الأهداف والغايات والتطلعات الكبرى. ورغم المرور بمراحل فتور في نشاط الشيعة السياسي التي قد يحسبها المراقب البعيد علامة استقرار، ظلّت المنطقة دائمًا تغلي على مرجل وتحتفظ بجذوة الثورة والرفض وطموحات التحرير والانعتاق وتتحين الظروف بل تصنعها للحظة مؤاتية للنهوض الشعبي العاصف في انتفاضات وانبعاثات ما فتأت تهز عرش الحكم وتقض مضاجع الأمراء!
انقلاب السلطة على وعودها:
خلال سنتين من “المصالحة” وصلت العلاقة بين الشيعة والسلطة إلى طريق مسدود، وطفحت على سطح الحياة اليومية صور التوتر والاضطراب مع لجوء النظام السعودي إلى استعادة تفعيل حربه الطائفية المذهبية المسعورة موظفًا خلالها كل إمكاناته المالية والإعلامية ومؤسساته الدينية والثقافية لمحاربة كل ما يمت إلى العقيدة الشيعية والشيعة والتشيع، فبرزت وجوه الأزمة في أشكال متعددة ومختلفة، جرّاء انتهاج سياسة التمييز في كافة مناحي الحياة الاقتصادية والخدمية والوظيفية والدينية والثقافية.
إن سياسات السلطة السعودية اتجاه الشيعة مبنية على موقف مؤصل عقديا وهابيا وعنصرية نجدية مناطقية، وهو موقف يسنده انعدام الثقة وسوء التقدير والفهم المغلوط لخصوصيات الشأن الشيعي، وعدم مقدرة السلطة خلال ثلاثة قرون تجاوز عقدها الطائفية وتحيزاتها المناطقية، وعدم قبولها النفسي -قبل كل شيء آخر- بالشيعة كمواطنين لهم حق الشراكة العادلة، وهي مواقف أعاقتها دائما وباستمرار عن تفهم ظروف وأوضاع الشيعة واحتياجاتهم وتطلعاتهم، وسببت فشلها في صياغة علاقة سوية ومستقرة مع الشيعة، فسياسة الإقصاء والتهميش والحرمان بحق الشيعة قرار رسمي غير معلن، يُنفذ وفق خطط منهجية منذ لحظة تأسيس الكيان السعودي!
واستنادا لذلك لم تكد تمر سنتان على عودة المعارضة إلى البلاد حتى سارعت السلطة إلى تفعيل ترسانتها القمعية: سياسات التمييز الطائفي، عنف الأجهزة الأمنية، الإقصاء والحرمان من الوظائف، الضغوط وحملات التشويه دينيًا وثقافيًا وإعلاميًا، تضييق الخناق على الأنشطة الشيعية، تهميش صلاحيات القضاء والمحاكم الشيعية، تفعيل حملات الاعتقالات، ومحاربة كافة مظاهر الحياة الشيعية، ما جعل الفرد الشيعي يشعر بأن الحياة تحت الحكم السعودي جحيما لا يطاق!
لذلك سرعان ما فشلت كل مساعي ومحاولات التواصل التي بذلها المعارضون الشيعة بعد عودتهم في حلحلة الملفات والقضايا الشائكة التي يعانيها الشيعة، ووجهوا بالصدّ من قبل أمراء السلطة ومسؤوليها، والتنكر العملي لكل الوعود التي قُطعت أو تم التلويح بها قبل وقف العمل المعارض، اللهم إلا إذا استثنينا السماح ببناء بعض المساجد في المناطق الشيعية.
وسوف نستعرض هنا بعض الوقائع والأحداث التي ساهمت بشكل مباشر في تحضير وتهيئة المناخ لانفجار انتفاضة الكرامة 2011 ومن أبرزها حسب التسلل الزمني:
1- في مايو 1996م شهدت القطيف اضطرابات تخللتها أعمال شغب، إثر قيام شركة أرامكو السعودية مدعومة بقوات الشرطة بإزالة عدد كبير من مزارع الأهالي في منطقة “الرامس” الزراعية شرقي بلدة العوامية، بهدف إقامة مخططات سكنية لموظفي الشركة، فقاوم الأهالي ورفضوا الاعتداء على ممتلكاتهم، ما تسبب في تحطيم عدد من سيارات الشركة، واعتقال أجهزة الأمن قرابة 30 شابًا. والمنطقة معروفة تاريخيا بأنها وقف مشاع تعود ملكيته لأهالي البلدة، بموجب صك شراء للأرض صادر عن القائمقامية العثمانية عام 1882م، فيما تم تجديد صك الشراء بعد سيطرة الملك عبدالعزيز آل سعود على المنطقة، بموجب صك وقفية صادر عام 1949م، وتصل مساحة أرض الرامس إلى 8 ملايين و400 ألف متر مربع، وتطل مباشرة على مياه الخليج الفارسي.
2- في يونيو 1996 في أعقاب تفجيرات إسكان المارينز الأمريكي في مدينة الخبر وهو الهجوم الذي تبناه رسميًا تنظيم القاعدة في تسجيل مصور على لسان زعيمه السابق أسامة بن لادن، إلا أن السلطة السعودية نفذت حملة اعتقالات واسعة شملت نحو130 شيعيًا من القطيف والأحساء دون تهمة ثابتة وبلا محاكمة، وفيما أطلق سراح الغالبية منهم على مدى سنوات متباعدة، لا يزال 9 منهم رهن الاعتقال دون محاكمة حتى يومنا هذا من العام 2026، وقد تحولوا إلى رموز ساهموا في إشعال فتيل انتفاضة الكرامة في نوفمبر 2011.
3- عام 1996 استشهاد الشاب ميثم علي البحر 20 عاما تحت التعذيب في زنازين سجون المباحث السعودية بعد اعتقال استمر نحو 6 أشهر.
4- عام 1998 استشهاد الشاب محمد الحايك 28 عاما تحت التعذيب في سجون المباحث بعد اعتقال استمر نحو سنة، ورفض السلطة تسليم جثمانه حتى اليوم!
5- عام 2002 شهدت عدة مدن وبلدات في القطيف تظاهرات تضامنية مع فلسطين وشعبها وتنديدًا بجرائم الاحتلال الصهيوني والحصار المفروض على جنين، وقد واجهت السلطات السعودية المتظاهرين بالعنف ودفعت بقوات مكافحة الشغب لتفرق المتظاهرين وتطاردهم في الشوارع والأزقة وتعتقل العشرات منهم، وقد أمضى بعضهم أسبوعين رهن الاعتقال.
6- وفي سبتمبر 2004 قام مستثمرون على صلة وثيقة بالأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع وقتذاك بدفن أجزاء واسعة من بحر الرامس، ما تسبب في انفجار حالة غضب وقيام أهالي البلدة بتنفيذ اعتصام سلمي أنهته السلطة بالقوة واعتقال اثنين من أهالي البلدة، هما الشهيد الشيخ نمر باقر النمر والشاب عادل حسن اللباد.
7- عام 2006 تعرضت فتاة شيعية للخطف والاغتصاب من قبل 7 شبان فحكم عليها القضاء بالحبس 6 شهور و200 جلدة، فيما حكم على 4 من المغتصبين بالسجن سنة واحدة و80 جلدة!
8- عام 2008 اختطفت فتاة شيعية من مدرستها لتكتشف عائلتها لاحقا أنه قد تم تغيير مذهبها أمام قاضي المحكمة وتزويجها من شاب سني دون علم أسرتها!
9- في نوفمبر 2008 اعتقلت الشرطة الدينية الوهابية المعروفة بـ”هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” الخمسيني أحمد الملبلب من أهالي الأحساء لأنه رفع الآذان للصلاة على الطريقة الشيعية واقتادته إلى جهة مجهولة، وبعد ساعات سلمته جثة هامدة إلى أسرته!
10- في فبراير 2009 ارتكبت السلطات السعودية جريمة بشعة بحق المئات من شيعة المدينة والأحساء والقطيف من زوّار النبي محمد”ص” وأهل بيته”ع” في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة، جريمة شارك في ارتكابها عناصر الأمن والشرطة المسلحين إلى جانب فلول الوهابيين المطاوعة من عناصر الشرطة الدينية “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” وعشرات العناصر من المباحث باللباس المدني مستخدمين الأسلحة البيضاء وقضبان الحديد والعصي الخشبية مما أسفر عن إصابة عشرات الشيعة من النساء والأطفال والرجال بينهم علماء دين وطاعنين في السن، ثم عمدت السلطة إلى اعتقال ما يربو على 40 شخصا وزجت بهم في السجن بذريعة إثارة الفوضى والاعتداء على عناصر الأمن!
11- عام 2009 هاجم إمام الحرم المكي عادل الكلباني الشيعة ووصم علمائهم بالكفر وشكك في إسلام عامتهم، واستمر في منصبه دون حسيب أو رقيب!
وهناك عشرات بل مئات الأمثلة للتعدي على الشيعة كعقيدة ومذهب في أروقة القضاء والمحاكم، كرفض قبول شهادة الشيعي في حالات الطلاق والزواج، وإرغام الشيعة على توثيق عقودهم لدى المحاكم السنية، فضلًا عما تحفل به المؤسسات والمنابر الدينية والصحف والوسائل الإعلامية من حفلات الشتائم والسباب والتشويه والافتراء وصولًا إلى القذف بالكفر والزندقة.
لذلك لم يكن مفاجئاً تصاعد نشاط الحراك الجماهيري العام باتجاه تغيير الواقع البائس الذي تعيشه عموم الطائفة الشيعية، فقد بدا واضحًا ومنذ زمن غير قصير بوادر الانقسام في الموقف الداخلي لعموم الفعاليات والقوى الشيعية تجاه جدوى الاستمرار في معالجة القضايا الشيعية عبر الوسائل والأدوات التي اتبعتها الطائفة طوال عقدين من الهدوء، وهو انقسام أتى إفرازًا طبيعيًا لحقيقة عدم الرضا والسخط الذي تفشى بداية في أوساط النخب الشيعية وما برح أن جاوزهم إلى الشارع الشيعي بكل فئاته وتوجهاته، تجاه ما يحدث يوميًا من تجاوزات وتعديات طائفية ضد مظاهر الهوية الشيعية، وضد حقوق الأفراد وحرياتهم، وهي تعديات احتمت وتمظهرت بالغطاء الرسمي لأجهزة الدولة، حتى أن العديد من قضايا الخلافات الشخصية المدنية في المحاكم تم العمل على تحويرها وإلباسها غطاء المخالفة الشرعية بنفس طائفي فاقع.
سيناريوهات علاقة الشيعة والسلطة:
لقد تجاوب الجمهور الشيعي مع خطاب وسلوك التهدئة الذي قادته الزعامات الشيعية العام 1993، وشهدت الساحة الشيعية منذ ذلك الحين تحولات عميقة وجذرية تجاوزت الخطاب المعلن لتمسّ السلوك والأداء الفردي والجماعي، بل عمل خطاب التوجيه الداخلي على تغيير نفسية الفرد الشيعي والمزاج الشيعي العام والموقف الاجتماعي من طبيعة الاصطفاف مع سياسات السلطة الداخلية والخارجية، ونجح في نقل قطاع واسع من الجمهور من حال القطيعة مع السلطة إلى حالة التواصل والانفتاح والرغبة في الاندماج.
لقد عمل رموز وكوادر “منظمة الثورة الإسلامية” عقب عودتهم إلى الداخل على إعادة صياغة الرأي العام الشيعي ليتحول عن منطق ‘المواجهة’ إلى منطق ‘الموادعة’ عبر ترويج ثقافة التعايش مع الأمر الواقع والسعي لتحسين أوضاع الطائفة ضمن الحدود التي تقرها السلطة، فعند المقارنة بين طبيعة الرأي العام الشيعي السائد في الثمانينيات وحتى مطلع التسعينيات وبين ما آل إليه في الألفية الثانية ينكشف مستوى نجاح رموز المعارضة الشيعية السابقين في تدجين الرأي الشيعي والزج به وسط كهوف الصمت والاكتفاء بممارسة دور الانتظار السلبي، النهج الذي حاربته أدبيات حركتهم منذ انطلاقتها في السبعينيات، وعملت على إخراج جمهور الشيعة من قوقعته المغلقة!
في المقابل لم تنجح السلطة بل لم ترغب في مسايرة وملاقاة هذه التحولات واستثمارها لتصحيح مسار العلاقة، فالموقف الشيعي لم يجد إرادة حقيقية وجادة في زحزحة الحواجز التاريخية وفتح أفق جديد للعلاقة البينية، لأن كل الدلائل كانت تشير إلى إمعان السلطة في تجاهل المعاناة الشيعية بل والعمل على كل ما من شأنه مفاقمتها وإدامتها، عبر التصعيد الأمني، وإفساح المجال ودفع المؤسسة الدينية لشن الحملات الطائفية ضد الشيعة، وكذلك الحملات الإعلامية الداخلية والخارجية، فضلاً عن إعلان المواقف السياسية الطائفية على ألسنة الأمراء والمسؤولين السعوديين تجاه الملفات الإقليمية ذات العلاقة.. وقبل ذلك كله مواصلة امتهان كرامة المواطن الشيعي وتضييق الخناق عليه في سبل معيشته، وممارساته العبادية والثقافية والاجتماعية المتصلة بهويته المذهبية.. وكذا استبعاده من الشراكة الحقيقية في إدارة شؤون البلاد.
لم يقبل عموم الشيعة باستمرار حالة القهر والاضطهاد إلى الأبد، وإن لاذوا بالصمت لبرهة من الزمن في ظل المناخ الثقافي والسياسي الذي صنعته ظروف ومتغيرات عقد التسعينيات الماضي، الذي تُوج بالمصالحة بين السلطة والمعارضة الشيعية، لكن اصطدام رموز المصالحة بالقنوات المسدودة، وتورطهم وسط شرنقة جمود السلطة وعزوفها عن فتح الأبواب لحلحلة المسألة الشيعية أبرز مستوى إخفاقهم وفشلهم في تحقيق تطلعات الجمهور الشيعي وتوقعاته، وفي ظل تفاقم حدة المشاكل الناجمة عن الممارسات الطائفية للسلطة، ما عادت تلك الرموز تستطيع التمادي أكثر في السكوت على حملات الاضطهاد التي يتعرض لها أبناء الطائفة على مختلف الأصعدة في الحياة الوطنية العامة، وحتى إن أرادوا ذلك فإن الجمهور المحبط واليائس تجاوز أطروحاتهم السالفة، سواء بقرار واعي أو مدفوعًا بعنفوان الشعور بالحاجة إلى انتزاع حقوقه الطبيعية في العيش العادل والكريم، ومقاومة ما يتعرض له من انتهاكات يومية.
اشتد ضغط الممارسات الطائفية للسلطة وأثقل كاهل الشيعة وبات الصبر فوق طاقتهم، ولم تكن هناك قنوات للتنفيس الحقيقي، وهنا فرضت صيرورة الحركة المجتمعية حتمية انزياح عجلة الحياة إلى مسارات وآفاق مختلفة، خارج السياقات المتوقعة، نتيجة انفجار القنوات الاجتماعية بفعل ضغوط الواقع وتراكم التفاعلات الحبيسة، ورفض أفراد المجتمع لحالة القهر ومقاومتهم للانصهار والاستسلام أمام إرادة سلطوية قامعة تخالف إرادتهم وتصادر تطلعاتهم، الأمر الذي سيسفر عنه حالة تشظي وانقسامات عديدة للكيانات والكتل القائمة، بما سيسمح بإعادة تجديد عمليات الالتحام والتشكل تحت مسميات ومظاهر مختلفة. وقد يبادر واحد أو أكثر من الأطراف المعنية بمحاولة شق قنوات جديدة لتنفيس حالة الاحتقان الاجتماعي واستيعاب ردة الفعل الناتجة عن عمليات انزياح مسار الحركة الاجتماعية العامة، وهي محاولات قد تنجح مؤقتًا ولكنها لا تصمد طويلًا، طالما هي لم تقدم حلولا ومعالجات جذرية تستجيب لطبيعة ومستوى التفاعلات الاجتماعية وتلبي حاجاتها.
كان مشهد العلاقة بين المجتمع الشيعي والسلطة منذ العام 2006 على شفير عملية انتقال وتحول، تفوق في تأثيراتها مستوى عملية الانتقال التي مرّ بها الشيعة عشية الإعلان عن المصالحة بين النظام والمعارضة، تلك اللحظة التاريخية كانت مفتوحة الاحتمالات على عدة سيناريوهات، نستعرض أبرزها:
الأول: أن تعيد السلطة قراءة ملف القضية الشيعية بوعي وتدرك حاجات ومتطلبات المرحلة التاريخية المفصلية في العلاقة بينها وبين المجتمع الشيعي، فتتجاوز الماضي بكافة حمولاته وعقده التاريخية السلبية، الأمر الذي من شأنه أن يتيح الفرصة لاكتشاف مخارج لحل الأزمة القائمة، فتلغي سياسة الحرمان والتهميش والإقصاء، وتُقر نهج علاقة عادلة ومنصفة تعترف للشيعة بحقوقهم الوطنية بكل ما للكلمة من معنى، وتشركهم في العملية السياسية لإدارة البلاد، وتشتغل على تطهير الأجهزة والمؤسسات الرسمية من كافة بؤر وحواضن الطائفية، وتسن قانونًا بتجريم ومحاسبة ومعاقبة كل مَنْ يثبت تورطه في أي شكل من أشكال الممارسات الطائفية مهما كان موقعه أو مستواه، وتُوقف التعديات التعسفية للأجهزة الرسمية ضد الشيعة ومقدساتهم، وتفتح المجال أمام حرية الرأي والإعلام والمطبوعات لأتباع المذهب الشيعي أسوة بغيرهم.. الخ بما يشمل كافة المطالب الشيعية المعروفة سلفًا لكافة أركان السلطة.
الثاني: قد تدفع التصورات التقليدية الموروثة والمواقف الجامدة المتأصلة تجاه الشيعة السلطة لاتخاذ قرار بالعودة إلى نهج حقبة الثمانينيات، فتلجأ إلى التصعيد الأمني وإحكام القبضة الحديدية، فتشن حملة اعتقالات واسعة في صفوف الشيعة تطاول ابتداء رموز التيار ‘الموادع’ بهدف تصفية الحساب معهم وللحيلولة دون تحولهم أو بعضهم إلى جناح المعارضة، فيما ستشمل حملات الاعتقال مختلف النشطاء والفاعلين السياسيين في المجتمع الشيعي، وكذلك منع كافة النشاطات والمظاهر الدينية، وربما تلجأ إلى إغلاق بعض المؤسسات العامة ذات الصلة بالنشاطات الاجتماعية، كما قد تعمد إلى شل حركة العمل الاقتصادي في المجتمع الشيعي عبر التعقيد والروتين المفتعل وسن اشتراطات جديدة ينحصر تطبيقها في المناطق الشيعية، كما قد توظف الإعلام الرسمي وشِبهه لإطلاق العنان لحملات التكفير والتشويه والطعون الطائفية.. الخ من الممارسات التي عرفها أبناء الشيعة تاريخيًا وحتى مطلع التسعينيات أبان عرس النظام والمعارضة الشيعية!
الثالث: أن تقوم السلطة بعملية إصلاح شكلية لتنفيس حدّة الاحتقان والغضب الجماهيري، فتطلق سراح بعض السجناء السياسيين، وتسمح ببعض التعيينات لواجهات شيعية بالاسم أو بالمولد في وظائف ومناصب شرفية، وتقوم بعملية تشطيب وتحسين للواجهات العمرانية العامة.. الخ مثل ما تم فعله أبان المصالحة لإقناع الرأي العام الشيعي بوجود تغير ملموس في طبيعة علاقة السلطة بالشيعة.. ولكن هل ينجح اليوم ما نجح بالأمس، وهل ستجد السلطة مَنْ يروج مجددًا لثقافة التسالم والتصالح ويقدر على إقناع الجمهور بالانتظار السلبي وتأجيل استحقاقاته الوطنية والإنسانية العادلة، دون ضمانات حقيقية تتمثل في تدشين الوعود فعليًا على أرض الواقع؟!
الرابع: أن تدفع القوى المعارضة في الداخل والخارج بالجمهور الشيعي إلى انتفاضة شعبية، تُرغم السلطة على تلبية المطالب الشيعية وإلغاء سياسات استهداف الشيعة وكبح استهدافهم.
الخامس: بروز تكتلات سياسية تطالب بالانفصال عن الوطن، وتروج لاستقلال إقليم الأحساء والقطيف، وهو سيناريو سبق أن روجت له دول وأجهزة استخبارات غربية حتى وجد طريقه لأكثر من صحيفة ووكالة أنباء على ألسنة بعض النشطاء السياسيين.
خسارة الرهان على العرائض المطلبية:
منذ نشأة الكيان السعودي لم تنقطع الوفود والعرائض المطلبية الشيعية، المتوسلة والمتسولة على أعتاب قصور الأمراء ومكاتب المسؤولين لتحصيل بعض حقوق المواطنة وحلحلة قضاياها المختلفة المُعلقة لسبب أو دونه، ورغم تفاوت مستوى المطالب وتباين لغة الطرح بين التوسل والرجاء والتشدد في أحيان محدودة جدًا، استمر الجواب الرسمي رغم هامشية نتائجه يدغدغ آمال التيار المطلبي المؤمن بوجوب التزام العمل المطلبي وفق القنوات الرسمية المتاحة، فيما دفع اليأس والقنوط من إقدام السلطة على اتخاذ أية خطوات عملية فعلية تكفل إحداث تغييرات جوهرية واستراتيجية في الواقع الشيعي المأزوم والمهمش، دفع بأصحاب هذا الرأي إلى البحث عن وسائل ضغط وإحراج تتكفل بإرغام قيادات الدولة على تغيير موقفها من الشأن الشيعي العام، وهذا ما يفسر انخراط شباب الشيعة في مختلف التيارات السياسية منذ الخمسينيات وحتى اليوم، رغم تعارضها الأيديولوجي، بحثًا عن مشروع إصلاح سياسي يضمن توفير شروط العيش الكريم.
ولعل أبرز المبادرات في هذا الصدد كانت في 28 صفر 1424هـ الموافق 30 أبريل 2003 حين استقبل الملك السعودي السابق عبدالله بن عبدالعزيز “وكان حينها لا يزال وليًا للعهد” 18 من شخصيات ووجهاء الشيعة في القطيف والأحساء، حيث سلموا له عريضة “شركاء في الوطن” التي وقعها 50 عالم دين و42 أكاديميًا و31 كاتبًا وصحافيًا وشاعرًا و151 رجل أعمال و24 سيدة.
وخلاصة ما طالب به موقعو العريضة: إنهاء سياسة التمييز الطائفي، إلغاء التهميش السياسي للشيعة في أجهزة إدارة الدولة بما يشمل القطاعات العسكرية والأمنية والدبلوماسية، وضع حدٍ لسياسة الحرمان الاقتصادي والتنموي للمدن والحواضر الشيعية وأخيرًا إلغاء السياسات الطائفية وتجريم التمييز المذهبي والممارسات التكفيرية سواء في الإعلام أو التعليم أو الحياة اليومية وضمان حماية الحريات الدينية.
ورغم وعود الكلام المعسول الذي سمعه حاملو العريضة إلى قصر الرياض، فقد عادوا خائبين منكسرين، فوعود عبدالله بن عبدالعزيز لم تختلف في نبرتها ودلالاتها عن مئات الوعود التي سمعها وجهاء الشيعة طوال قرن من الزمان، وإن كانت مطالب من سبقهم متواضعة ومحصورة في جانبي الخدمات العامة والحريات الدينية.
ورغم أن عريضة “شركاء في الوطن” التزمت الحذر في مفرداتها وألفاظها، وتوسلّت بلغة الاستعطاف والاستجداء، وقدّمت إلى عبدالله بن عبدالعزيز وأمراء آل سعود نعوت الولاء والإخلاص، وفي حين أنها مثلت الحدّ الأدنى من مطالب أهالي القطيف والأحساء، ورغم ذلك كلّه أصرّ آل سعود على تجاهلها وعدم تلبية أي جزء منها، حتى تلك المطالب الجزئية والصغرى المتعلقة بالخدمات العمرانية والتعليمية غير المرتبطة بالشأن السياسي أو الأمني أو العسكري.
بدوره الشهيد الشيخ نمر النمر ورغم عدم قناعته بجدوى العرائض المطلبية كخيار وتصريحه بعدم قابلية بنية النظام السعودي للإصلاح، إلا أنه وضمن سعيه لإلقاء الحجة وإسماع السلطة صوت الناس ومطالبهم سلّم برفقة جمع من الشيعة في العام 2007 “عريضة العزة والكرامة” إلى جلوي بن عبدالعزيز آل سعود نائب الحاكم الإداري في المنطقة، وامتازت تلك العريضة غير المسبوقة بصراحتها وشموليتها، ومطالبها الجذرية، وتسميتها للأشياء بأسمائها الواقعية دون مواربة أو تملق أو خوف من بطش الحاكم.. فباتت نموذجًا شجاعًا ومتقدمًا في مواجهة السلطة السعودية، وكما هو متوقع تم تجاهل العريضة.
تجاهل السلطة السعودية مطالب الشيعة ليس سياسة طارئة، فمنذ لحظة غزو عبدالعزيز آل سعود منطقتي القطيف والأحساء واحتلالهما العام 1913 عاش شيعة المنطقة معاناة مستمرة على كافة مناحي الحياة اليومية في جوانبها المعيشية والاقتصادية والثقافية والدينية، وقد لجأ وجهاء وشيوخ الشيعة في القطيف والأحساء منذ عشرينيات القرن الماضي إلى تدبيج ورفع العرائض للملك عبدالعزيز وأبنائه الملوك السعوديين من بعده, وكانت تلك العرائض تتمحور ابتداء حول كفّ يد الوهابيين الذين أرسلهم عبدالعزيز مبشرين ومنذرين!! عن التدخل في الشأن الديني للشيعة، ولاحقًا انتقلت إلى المطالبة بتخفيف الضرائب وتحسين الخدمات وتأمين الاحتياجات والاهتمام التنموي بالمنطقة.
وتصاعدت حدة سياسة التهميش والإقصاء التي فرضها عبدالعزيز مبكرًا وباتت استراتيجية راسخة توارثها أبناؤه الملوك من بعده.. فواجه الشيعة التهميش والإقصاء السياسي الذي ترجمه النظام السعودي عبر استبعاد الشيعة من التوظيف في أجهزة الجيش والأمن والاستخبارات والسلك الدبلوماسي بل حتى الإدارات العامة كما في حقول التعليم والبلديات وغيرها.
وسرعان ما طوّر النظام السعودي عبر السنوات اجراءات خطرة استهدفت تدمير وإفقار مناطق الشيعة ومحاصرة وجودهم جغرافيًا وعمرانيًا واقتصاديًا وحتى بيئيًا، في سياسة استئصالية تم تنفيذها ببطء في فترات متقادمة وما لبثت أن برزت بشكل متسارع في مراحل زمنية متأخرة.
وقد تشكلت خلال العقد الأخير عدة لجان وهيئات أهلية بهدف دق ناقوس الخطر ضد سياسات النظام اتجاه المناطق الشيعية أبرزها مجموعة “قطيف الغد” و”صمود من أجل الحدود” وذلك لكشف مخططات واجراءات السلطة في تدمير البيئة الزراعية والبحرية في المنطقة، وفرض الحصار العمراني، وكذلك التلاعب بالحدود الإدارية والسياسية لمدن الشيعة ومناطقهم، فواجهتهم السلطة بالتجاهل أولا ثم بالاعتقال ومنع أنشطتهم وتجريمها.
لم يحصد وجهاء الشيعة عبر عرائض التسول والتوسل عند أقدام الأمراء والملوك السعوديين إلا “خفي حنين”، فالسلطة استمرت في تنفيذ سياسات الإقصاء والتهميش وحرمان مناطق الأحساء والقطيف من التنمية الحقيقية في البنية التحتية والتعليم والصحة والزراعة والصناعة والسياحة، وواصلت دعم وتنفيذ سياسات التمييز الطائفي البشعة ضد كل أوجه ومظاهر التشيع، إلى جانب الاستهانة بحياة المواطن الشيعي ودماء الشيعة وحرماتهم.
تقويض مشروع الموادعة:
بالعودة إلى قراءة مشهد الساحة الشيعية مطلع العام 2008 نستطيع رصد تبلور معالم تحولات متسارعة عصفت بالحالة الشيعية على صعيد الحالة السياسية أثرت بشكل مباشر في صياغة أفق التطلعات والحراك والروابط والعلاقات بين القوى والتيارات الفاعلة، ومن خلال فحص متغيرات المزاج الشعبي ومسارات النقاش العام بين تلك القوى تنكشف أنوية تشكلات جديدة وإن امتدت جذورها بنحو أو آخر إلى حركات وقوى سابقة. فقد استقبلت الأوساط الشيعية بمختلف توجهاتها وفعالياتها مقالات الدكتورين حمزة الحسن وفؤاد ابراهيم بكثير من العناية والتتبع والاهتمام والتفاعل، بما خلق لها أصداء وتموجات تركت بصمات وتأثيرات واضحة في الشارع الشيعي عامة، وحين نقول ذلك لا نعني بالطبع ادعاء الإجماع على تأييد الرؤية التي قدمها البراهيم والحسن، بقدر ما نريد التأكيد على أن اتجاهات التفكير والنشاط الشيعي العام بدأت تأخذ بالاعتبار خيارات ومناهج مختلفة عن المألوف والسائد طوال السنوات العشر المنصرمة، بسبب غياب حالة التعدد في المناهج بين الفاعلين في الساحة السياسية.
نعتقد، وبالاستناد لسمات المجتمع الشيعي وما تختزنه الذاكرة الجماعية من موروث المقاومة والجهاد ورفض الخضوع للحاكم الظالم، أن بعث هذه الثقافة المتأصلة في نفسية الفرد الشيعي كفيل بتهيئة المناخ العام لنهضة ثورية تتجاوز كافة رموز المهادنة وجميع أشكال علاقات الخضوع للنظام الجائر.. وقد ساهمت الرؤى الجديدة التي طرحها الحسن وإبراهيم عبر سلسة مقالاتهما على موقعي (راصد) ثم (الملتقى) في ولادة تيار سياسي مناهض لفريق الموادعة، ومفارق له في آليات وأدوات العمل وفي مناهج التفكير والمقاربات السياسية وأيضًا في مستوى الأهداف والتطلعات. ونستند في هذا الرأي إلى جسّ نبض الشارع الشيعي في طبقاته المسحوقة، ورصد تفاعلات البؤر الجماهيرية الساخطة على النظام السياسي الحاكم وعلى تيار الخنوع والمهادنة نفسه.. دون الاستهانة بحجم تيار الموادعة المحتمي بالسير في ظل السياسات والقوانين الرسمية!
يكتشف المتابع الحصيف لبوصلة النشاط الشيعي في تلك السنوات، تصاعد النبض المتوتر لمشاعر الخشية المتولدة في صفوف فريق “الموادعة” وكذلك بعض التوجهات المحافظة الميالة بطبعها للدعة والسكون والاستقرار السلبي، كما يلحظ مبادرات فاقعة الافتعال وساذجة تستهدف الالتفاف على انتشار الرؤية التغييرية النضالية بين الجماهير الشيعية، في عملية مدروسة ومخططة تستهدف إماتة حسّ اليقظة لدى الجمهور، وإخماد جذوة التفاعل الشعبي مع خيارات العمل السياسي المعارض، الطامح لاسترداد الكرامة والعزة وكافة الحقوق السياسية والإنسانية المصادرة، فضلًا عن التطلع للخلاص من كابوس الاضطهاد الطائفي بكل إفرازاته المتوحشة.
ابتدأت ردة الفعل العنيفة لمواجهة إرادة التغيير الجماهيرية عبر فرض الحصار الإعلامي على مقالات الدكتورين الحسن وابراهيم في المواقع المحسوبة على فريق الموادعة، وبأساليب ملتوية ليس أقلّها إخفاء موقع نشرها وطمره بمواد غير ذات أهمية بغية الحدّ من عدد القراء والمتابعين، بعد أن كان يتم إبرازها وتثبيتها نظرًا لأهميتها كمادة وأيضًا لمكانة الدكتورين الحسن وابراهيم في سلّم الحركة الشيعية المعارضة.. ووصولًا للامتناع عن نشر أية مقالات لهما ولأي مادة إعلامية تؤيد طرحهما من أي كاتب كان.
لقد بذل فريق الموادعة كل جهده وطاقته لتنشيط وتفعيل خياراته البائسة والانهزامية، وسعى جاهدًا لمحاصرة الرؤى والخيارات الرافضة لمهادنة السلطة، واجتهد ما وسعه لإقصاء المشاريع المتمسكة بحقها الإنساني والشرعي في ممارسة العمل الثوري المعارض كوسيلة تحرر وخلاص من نير الظلم والبطش السعودي، كما لم تذخر الموادعة جهدها لحجب الرأي الآخر المختلف مع أطروحاتها لتسوّق رؤيتها وقراءتها الأحادية لأوضاع الطائفة، ظنًا منها أن ذلك كفيل بإغماض عين الجماهير ووعيها عن الأخذ بخيارات الكفاح والنضال المتاحة والممكنة في ميدان العمل السياسي في الداخل والخارج.
وبدافع محاصرة تمدد الخيارات الثورية، شهدنا هبّة منقطعة النظير لدى رموز ونشطاء الفريق الموادع نحو امتطاء صهوة العمل الحقوقي عبر فرقعات إعلامية بُثت عبر أكثر من وسيلة وموقع، دُشنت بمقالتي (الشيعة ومهمات المرحلة) و(دافعوا عن حقوقكم) ضمن زاوية كلمة راس على شبكة راصد الإخبارية وقد تم فيهما استخدام مصطلحات كانت غائبة طوال سنوات من قاموس الفريق الموادع، وقد كنا سنبارك تفعيل ماكنة العمل الحقوقي لولا تفريغه من محتواه الجوهري عبر استمرار النفخ في بعض البنود الحقوقية الأولية التي ترتضيها السلطة ولا تُشكل عليها كلفة أو خطورة، حيث انهمك الموادعون بتضخيمها على حساب البنود الأخرى من الحقوق الأساسية المغيّبة من قاموسهم، إذ تم تكرار إنتاج خطاب حقوقي مجتزأ اكتفى بإبراز ما يتعلق بالحقوق الإنسانية الأولية واستبعد استحضار مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المتعلقة بالحقوق السياسية على وجه الخصوص، في عملية التزام صارمة بسقف مطالب متدنية هي ذاتها التي صرّح النظام السعودي لجمعيته وهيئته الرسميتين الاشتغال عليها.
مما يثير الدهشة قبول بعض الموادعين لأنفسهم أن يصبحوا جزء من لعبة العمل الحقوقي الرسمي، فساهموا عبر عضويتهم في تلك اللجان الحكومية بدراية وسبق إصرار في تشويه وتغييب الحقائق وقلب موازين العمل الحقوقي في أذهان الجمهور.. في وقت استنكف أغلب الرموز الوطنية والإصلاحية من ذوي الانتماءات الفكرية والسياسية ـ غير الشيعية ـ الارتماء في أحضان الهيئة أو الجمعية، خصوصاً مع إدراكهم بأن تأسيس هاتين المؤسستين الحكوميتين جاء بعد قرار تجميد الترخيص لطلبات فعاليات وطنية مستقلّة بتأسيس لجان وجمعيات حقوقية أهلية، في خطوة قصدت منها الدولة سحب البساط من أيدي الفعاليات الوطنية والقفز والالتفاف على مبادراتهم في المجال الحقوقي.
إن توقيت الموادعة لبدء حشد الجهود باتجاه العمل الحقوقي، رغم الإشكاليات الواردة عليه من حيث عدم التكامل والشمول وانحباسه ضمن أطر ضيقة تنتقي من الحقوق التي نصّت عليها المواثيق والمعاهدات الدولية ما لا يكلفها الاصطدام مع النظام الحاكم، كان خطوة ضمن برنامج يُراد له محاصرة التيار النضالي الناهض حينذاك والآخذ بالاتساع ضمن البؤر الشعبية والجماهيرية المتهيئة لخوض غمار العمل السياسي المعارض.
ضُمنّت مقالات الدكتورين الحسن وابراهيم في كتبهم الصادرة لاحقا ومنها: السعودية أزمة الهوية والكيان، السعودية هواجس الوحدة والانفصال، النضال الشيعي في السعودية، وجهاء الشيعة الجدد، العمل المطلبي. وقد شكلت إلى جانب كتبهما الأخرى أطروحات ورؤى تأسيسية أعادت تشكيل وصياغة المشهد السياسي وخيارات الشيعة وأفق تطلعاتهم، ودفعت باتجاه القطيعة مع أطروحات الموادعة والمهادنة والتقاعس عن النضال، وهيأت الأرضية والمناخ العام للاتجاه نحو العمل الثوري المعارض.
فشل المعالجات الهادئة:
لقد دفعت سياسات السلطة في تجاهل المطالب الشيعية الشارع الشيعي مجددًا إلى حالة التململ والقلق، وبات الناس يعبّرون في مجالسهم المغلقة ومحافلهم الخاصة عن مخاوف حقيقية اتجاه مستقبل الطائفة، بعد توالي الحملات القمعية والحوادث الطائفية التي أشعلت بواريد الغضب في النفوس وأججت عوامل الاحتقان والسخط الشعبي.
وفي الواقع فإن الجماهير الشيعية بمختلف تياراتها التزمت الصمت تعويلًا على الأمل في تغير سياسات السلطة التي أصرّت على المضي في نهجها الطائفي وسياساتها القمعية، ما ساهم في انحسار وتآكل الشريحة الصامتة والممالئة أو المستسلمة أمام تجاوزات السلطة، لصالح اتساع شريحة الساخطين والتيار المطالب بالعودة إلى تفعيل العمل المعارض ضد النظام سواء داخل البلاد أو خارجها، وقد ساهمت المنتديات والمواقع الالكترونية المنتشرة آنذاك في صقل وصياغة وتحشيد الآراء والمواقف، ومنحت فرصة واسعة للتواصل ولملمة صفوف المتطلعين للتغيير.
بعد مرور أكثر من عقد على عودة المعارضة للداخل تنامى في الوسط الشيعي تيار عريض من الساخطين على النظام، لتفاقم سوء الأوضاع المعيشية والاجتماعية والسياسية، وبات مهيأ للانفجار في أية لحظة ودون إنذار مسبق.
وقد حذر كثير من رموز الشيعة ونخبها السلطة السعودية من مخاطر وتداعيات سياسات الحرمان والتهميش والاضطهاد والتمييز الطائفي، وطالبوها بعدم تجاهل حاجات المجتمع الشيعي ومطالبه المشروعة، وكانت السلطة تعي جيدًا ما يعانيه الشيعة من أزمات ومشاكل لا يمكن التغاضي عنها بحال، لأنها ستؤدي لا محالة ورغمًا عن إرادة ورغبة السلطة ووجهاء الشيعة الذين يحاولون تهدئة الشارع الشيعي وتخفيف حدة غليانه، ستؤدي الظروف المعيشية والسياسية السيئة لانفجار الأوضاع، ذلك أن وطأة الأزمة ومعاناة المشاكل التي يواجهها الشيعة في مختلف نواحي حياتهم اليومية، كفيلة بدفع الشارع كله للتمرد والانتفاض، ولكن السلطة راهنت على قدرتها في تذويب وإنهاء مراكز الثقل والتأثير وضعضعة القوى الفاعلة في الوسط الشيعي والقضاء على أية حركة مطلبية قبل تبرعمها، واستمرت السلطة في تجاهل المطالب الشيعية ومحاولة تهميشها والتقليل من أهميتها وارتجال الحلول الأمنية والمؤقتة لمعالجتها.
لم تكن مصادر الاحتقان والتوتر في الشارع الشيعي مما يستطيع معالجته وجوه وزعماء الطائفة الشيعية، لأن منبتها في بؤر ومناطق خارج سيطرتهم ونفوذهم، ولا يملكون حيالها قدرة التغيير.. السلطة الحاكمة وحدها كانت قادرة على معالجة اضطرابات الحياة الشيعية ونزع صواعق التوتر والاحتقان قبل انفجارها، وهي دون شك كانت تدرك وتعي ذلك جيدًا، غير أنها لجأت لتحميل الزعامات الشيعية مسؤولية ضبط الشارع دون منحهم ما يقدمونه شيئًا من الاحتياجات والمطالب ليقدموها إلى الشارع الشيعي ويشترون بها رضاه، ما أدى دائمًا لاصطدام الجمهور مع وجهائه وانفضاضه من حولهم، حتى انتهى بهم الحال إلى مواجهة فكرية وميدانية قادت إلى توتر العلاقة ثم إلى التمرد والقطيعة.
سياسة التجاهل والتنكر والتغافل للشأن الشيعي والمراهنة على الزمن والنسيان وتعب الجماهير لم تُسعف السلطة السعودية في إماتة القضية أو تجاوزها، فقد استطاع الشيعة وعلى توالي السنين تطوير وتطويع الإمكانات المتاحة لهم محليًا ودوليًا لإبقاء معاناتهم حاضرة ومحسوسة، ومن نافل القول أنه ورغم قسوة ما يحيط بالشيعة من ظروف الاضطهاد والظلم والحرمان فإن الفاعل السياسي الشيعي وفي كل المواقع لم يلجأ يومًا إلى العنف أو التخريب أو الإضرار بمصالح وطنه الخاصة والعامة، وكأنما هناك اتفاق غير معلن بين كل الناشطين الشيعة على عدم مقاربة العنف أو التوسل بالقوة.. وفي المقابل لا يمكننا إلا الإقرار بأن العنف والقوة استخدمت وفي مرات متكررة ضد الشيعة لقمع الفعاليات والمناشط السلمية الهادفة لرفع الحيف والظلم وتحصيل الحقوق الإنسانية والسياسية المشروعة.
لقد انقسم الشيعة في شبه الجزيرة العربية قديمًا وحديثًا حول جدوى استخدام وسائل الضغط السلمية أو اللجوء للعمل المعارض سياسيًا وإعلاميًا، ويمكن تلمس ذلك في تموجات الخطاب الشيعي المحلي المعاصر، والأمر نفسه تؤكده أحداث التاريخ الشيعي في المنطقة كما هو الحال أبان انتفاضة المحرم العام 1400 هجرية.. أي أن بعض الشيعة رفض حتى مجرد استثمار وسائل العمل المدني المشروعة والمتاحة والمتبّعة لدى كافة الشعوب والمجتمعات المضطهدة في أصقاع الأرض. إننا أمام مفارقة مذهلة إذ يرفض المظلوم والمضطهد التوسل بما هو مشروع للدفاع عن نفسه ومقدساته وحقوقه، في الوقت الذي يصرّ الطرف الآخر على التمادي والإمعان في الظلم والانتهاك للحقوق والحرمات والمقدسات، متوسلًا بأقسى الممارسات وأشد الوسائل عنفًا ودموية وإرهابًا!
وأما ما يحاول البعض التهويل به ضد الشيعة ورفعه كيافطات تهديد وتهمة خيانة حول لجوء الشيعة للتحالف أو طلب الدعم والمساندة من أطراف خارجية، فلا أجد من اللازم على أي شيعي نكرانه أو الانشغال بنفيه طالما استمر الظلم والاضطهاد والتمييز قائمًا وممارسًا ضد الشيعة.
فأولاً تؤكد معطيات المسار الشيعي المحلي طوال تاريخ البلاد حقيقة عدم تورط الشيعة في أية أجندة أو ارتباطات خارجية، بل العكس هو الصحيح حيث ثبت بما لا مجال لنقاشه انخراط مجاميع وفعاليات الفئات الأخرى وبالتحديد الوهابية النجدية في قضايا الإرهاب الدولي بدء من أفغانستان، باكستان، الجزائر، المغرب، لبنان، العراق، ليبيا والقائمة تطول لتشمل الكرة الأرضية مرورًا بغزوة مانهاتن! وليسأل مَنْ يريد عن المرتع النجدي الذي ربى ودرب وغذى ودعم هذه الفئات، ثم أطلقها لتدمر العالم وتجتاحه بإرهابها.
وثانياً فإن الفطرة وغريزة البقاء وحب الحياة المجبول عليها كل خلق الله سبحانه من البشر والحيوان، تدفع أي طرف يتعرّض للخطر وللعدوان، إلى البحث عن وسائل حماية ودفاع ليدرأ بها الأخطار المحدقة به، ومن البديهي أنه متى ما توفرت وسائل الحماية والدفاع والصيانة للذات في المصادر المحيطة بالطرف المجني عليه فإنه لن يلجأ لعناء وعبئ التفتيش عنها لدى المصادر البعيدة أو غير المعروفة لديه أصلًا.. وترجمة ذلك أن أية دولة يلجأ مواطنوها لمجرد التفكير بالاحتماء بمصادر قوة خارج حدودها ملزمة بالتفتيش عن مسببات ودوافع ذلك في ممارساتها ومواقفها وسياساتها فهي المسؤولة عن صياغة مواقف وسلوك وخيارات مواطنيها السياسية!
وعليه إذا افترضنا جدلاً وجود ارتباطات لبعض المواطنين من الشيعة أو السنة أو من التيارات السياسية غير الدينية بأطراف خارجية فإن مسؤولية ذلك تقع على عاتق السلطة السياسية في البلاد، فهي التي توجد وتخلق مبررات ودواعي لجوء مواطنيها للارتباطات الخارجية حين ترفض مطالب الإصلاح ودعوات التغيير، أو تصر على إقصاء أطياف مذهبية أو فئات مناطقية أو تيارات سياسية من الشراكة الفعلية في الحياة الوطنية.
وفي الخلاصة لقد فشلت السلطة السعودية في حلحلة أزمات الملف الشيعي واستيعاب مطالب الشارع والجمهور كونه الطرف المعني بالرضا والاستقرار أو بالسخط والانفجار والانتفاض، فلا تقارير الأجهزة الأمنية ولا رسائل الوجهاء والأعيان نجحت في رصد الحالة الشيعية، فالجهاز الأمني للسلطة أجنبي عن المجتمع الشيعي نتيجة قرار إقصاء الشيعة من السلك الأمني، وبالتالي هو عاجز عن قرائة ورصد المؤشرات العميقة لمستويات الاحتقان والغضب الشيعي، وأما الوجهاء الشيعة فليسوا هم التعبير الدقيق والحقيقي عن الموقف الشعبي، إذ يلجأ هؤلاء إما خوفًا أو مداهنة أو محاباة أو طلبًا للمصلحة لقول ما يرضي السلطات ويطربها!
وستكتشف السلطة -بعد فوات الأوان- أن ارتهانها في قراءة وتقييم الواقع الشيعي لما تلقته من أجهزتها الأمنية والوجهاء الشيعة قادها للفشل في تقدير حقيقة أوضاع الشارع الشيعي وما يمور في وسطه من تطلعات تعمل كصواعق مشتعلة تدفعه حثيثا للانفجار في وجهها، كما أن يأس الشيعة تجاه حلحلة أزمات وقضايا واقعهم وإنهاء معاناتهم ضمن القنوات الرسمية وعبر التواصل المباشر، هو أحد أبرز العوامل التي ساهمت في نجاح نشوء المعارضة الشيعية، ووفرت لها مبررات شرعية الوجود والاستمرار، وهيأت المناخ الشيعي العام لاحتضانها وإمدادها بالعناصر والكوادر فضلًا عن الدعم المالي واللوجستي.
القوى المؤسّسة لانتفاضة الكرامة:
بين عامي 1995 و2006 تبلورت في الأوساط الشيعية ثلاث قوى سياسية رافضة ومعارضة لسياسات السلطة السعودية، تمثلت في: تيار خط الإمام كامتداد جماهيري شعبي لـ”حزب الله الحجاز”، والتيار الرسالي بقيادة الشهيد الشيخ نمر باقر النمر، و”حركة خلاص في الجزيرة العربية” بقيادة الدكتورين حمزة الحسن وفؤاد ابراهيم، وهي القوى التي نهضت بالدور الأكبر في التصدي لسياسات البطش والتمييز والتهميش التي ما فتأ النظام السعودي يُنفذها عبر مخططاته منذ احتل المنطقة.
تلقفت القوى السياسية الثلاث، نبأ جريمة البقيع عام 2009 كإشارة بالتصعيد الرسمي والعلني ضد الشيعة وشعائرهم وحرياتهم الدينية، وراح كلٌ منها يتحرك عبر وسائله ووفق منهجه للتصدي لتجاوزات السلطة والانتصاف للضحايا، وهنا لسنا معنيين باستحضار تفاصيل الواقعة وتتبع يومياتها ومحاكمة أداء السلطة أو القوى الشيعية، بقدر ما يهمنا أن نستحضر ردة الفعل الجماهيرية والموقف الشعبي الذي امتاز بالشجاعة والتحدي والصلابة في التصدي لاعتداءات السلطة السعودية دون خوف أو خشية أو رهبة من الأجهزة الأمنية، وثاروا في وجه المعتدين المدججين بالسلاح بأيد خالية من أي وسيلة مقاومة سوى الغيرة على أعراض وشرف النساء وحياة الأطفال والإيمان بحقوقهم الدينية والإنسانية والثقة المطلقة بأن الله معهم وناصرهم.
أفرز الحدث تفاعلات وردود أفعال ومبادرات واسعة على المستويات الاجتماعية والدينية والسياسية في الأوساط الشيعية، وتلقفته وسائل الإعلام المحلية والدولية خصوصاً في أعقاب الموقف الشجاع والبارز للشهيد الشيخ النمر الذي لوّح بالذهاب إلى خيار الانفصال بإقليم الأحساء والقطيف إذا تردد الأمر بين استمرار وحدة البلاد وبين خيارات المسّ بالكرامة والشرف والأعراض والدماء والحقوق الدينية.
كما شهدت الفترة ذاتها إشهار “حركة خلاص في شبه الجزيرة العربية” والتي تأسست في العام 2006 واستمرت تعمل وتتحرك في الداخل والخارج دون الإعلان عن هويتها التنظيمية والحركية حتى ذلك الحين، فجاءت جريمة النظام السعودي الدموية بحق الزوار الشيعة في البقيع لتفرض على الحركة الخروج للعلن في أول بياناتها.
ومنذ فبراير 2009 لم تهدأ الساحة الشيعية في القطيف والأحساء، وظلّت تمور بنشاط دؤوب سرًا وعلانية، وراحت أجهزة الأمن السعودي ترصد وتراقب وتطارد وشنّت حملات اعتقال طالت العشرات بينهم رجل الدين الإحسائي البارز الشيخ توفيق العامر، وقد اضطرت السلطة للإفراج عنه تحت ضغط حشود الجماهير التي تدفقت إلى مقر السجن وأمارة المنطقة، ثم ما لبثت أن عاودت اعتقاله في فبراير 2011، وفي الثقبة بمدينة الخبر اعتقل الرمز الشيعي السيد محمد باقر الناصر. فيما عجزت أجهزة السلطة عن اعتقال الشهيد الشيخ النمر الذي ظلّ مطاردًا حتى لحظة اعتقاله الأخير في 8 يوليو/تموز العام 2012.
ما أعقب جريمة البقيع من غضب شعبي كان مؤشر أولي لانتفاضة قادمة، وأحسب أن السلطة السعودية بأجهزتها الأمنية والاستخبارية، كما القوى الاجتماعية الشيعية “الموادعة” متمثلة بالوجهاء وأصحاب رؤوس الأموال وبعض رجال الدين ذوي الصلات والعلاقة مع النظام، ومن وصفهم الدكتور الحسن بـ”الوجهاء الجدد” وهم التيار المتقاعد من المعارضة بعد عودتهم من الخارج، أحسب انهم جميعًا فوجئوا وصُعقوا بانفجار طوفان انتفاضة الكرامة في مارس 2011 بعد سلسلة من التظاهرات الصغيرة خلال شهر فبراير، تلك الانتفاضة التي شهدت ذروتها في أعقاب عروج أول شهدائها الشاب الشهيد ناصر المحيشي في 20 نوفمبر2011 ليلتحق به مساء اليوم التالي 21 نوفمبر الشاب الشهيد السيد علي الفلفل، واللذان شيعا معاً إلى مثواهما الأخير.. ليلتحق بهما بعد ساعات من مواراتهما الثرى الشابان الشهيدان السيد منيب العدنان وعلي آل قريريص 23نوفمبر2011.
ورغم اندلاع الانتفاضة بالتزامن مع ما عُرف بثورات الربيع العربي في تونس ومصر والبحرين، ورغم ما يجمع بين مناطق الأحساء والقطيف وبين البحرين من علاقات ووشائج تاريخية ودينية وعائلية/أسرية، رغم كل هذه القواسم المشتركة وعوامل التأثير المتبادل يمكننا الجزم أن بركان انتفاضة الكرامة كان يغلي ويتحضر للانفجار منذ سنوات وعلى الأقل منذ ارتكب النظام السعودي جريمته النكراء في البقيع عام 2009.
إن حالة الاحتقان والسخط على سياسات السلطة السعودية وتجاوزاتها الاضطهادية التي طالت مختلف الشرائح والفئات والمناطق الشيعية دفعت بكل الأطياف والتوجهات والفئات العمرية من النساء والرجال للمشاركة الواسعة والفعالة في كافة برامج وفعاليات وأنشطة انتفاضة الكرامة منذ بواكير انطلاقتها 2011 وهو ما شكل أكبر وأهم سند لنجاح الانتفاضة واستمرارها طوال ستة أعوام بزخم منقطع النظير أدهش حتى أقرب المراقبين لأوضاع المنطقة.
ولقد مثّل عروج الشهداء الأربعة مُضرجين بدمائهم الطاهرة التي سفكتها رصاصات السلطة السعودية، وسلسلة الاعتقالات العشوائية، ونشر المتاريس العسكرية والحواجز الأمنية ومفارز نقاط التفتيش على مداخل ومخارج بلدات وقرى القطيف وطرقها الداخلية، إيذانًا بأن السلطة مصرة على أخذ المنطقة إلى مرحلة من الانفجار الدموي العنيف في مواجهة حركة الاحتجاجات الجماهيرية السلمية، الأمر الذي ساهم في تثوير الشارع وتغذيته بزخم جماهيري غاضب احتجاجًا على استرخاص السلطة لدماء الشيعة وتجاهلها الحرمات وتعديها على الكرامات وإهانتها لرموز ومقدسات الطائفة الشيعية.
ولم تكن أيًا من القوى السياسية الثلاث التي قادت الانتفاضة وساهمت في تنظيم فعالياتها وأنشطتها في مختلف مناطق وقرى الأحساء والقطيف، تريد الذهاب بجماهيرها إلى منزلقات العنف الذي خططت له السلطة وعملت على جرّ المنطقة إليه، حتى اضطر الشهيد الشيخ النمر ورموز الانتفاضة الآخرين إلى التحذير علنًا من الوقوع في فخ النظام، مع التأكيد دائمًا وأبدًا على حق أفراد المجتمع المسالم في الدفاع عن أعراضهم وحرماتهم ودمائهم أمام تغول السلطة وهمجيتها وعنفها الوحشي.
اجتياح العوامية:
ابتدأ الهجوم فجر الأربعاء العاشر من مايو 2017، إذ زحفت عشرات المجنزرات المُصفحة حاملة مئات الجنود السعوديين ذوي السحنات الغريبة على أهل منطقة القطيف.. ليستيقظ أطفال ونساء ورجال بلدة العوامية على دويّ الانفجارات وأزيز الرصاص وروائح دخان الحرائق.. إنها الحرب!
في تبرير السلطات السعودية للاجتياح الدموي والحصار الخانق الذي فرضته على البلدة وسكانها البالغ نحو 35 ألف نسمة قالت أنها تطارد مطلوبين تورطوا في ترويع الأهالي واستهداف عناصر الشرطة والاعتراض على هدم حي “المسوّرة” التاريخي، بينما أظهرت وقائع ويوميات الاجتياح والحصار الذي فرضته القوات على أهالي البلدة، أن العوامية بكل أطرافها وطوال 55 يومًا -ضمنها شهر رمضان- عاشت حالة من الهلع والرعب وتعرضت للقتل والإصابة بنيران القذائف والرصاص الذي استمر ينهمر منذ فجر “أربعاء الحصار” كما اصطلح عليه الأهالي، الذين ينفون بضرس قاطع مزاعم السلطة في تنفيذها “خطة تنموية” مؤكدين تدمير القوات أغلب أحياء البلدة ومراكزها التجارية ومعالمها الدينية من المساجد والحسينيات فضلاً عن إلغاء وتخريب كافة المنشآت الخدمية كالمدارس والمصحات الطبية ومركزي الدفاع المدني والبريد.
رصاص قوات المهمات الخاصة والطوارئ لم يستثنِ من دائرة الفتك والتنكيل لا البشر ولا الحيوان ولا الشجر ولا الحجر، فكل ناله نصيبٌ من آلة التدمير السعودية.. فالغاية استباحة شاملة لبلدة أعلن أهلها أو بعضهم الرفض للطغيان السعودي وعصيان إملاءاته الظالمة, فوجب بحسب أمراء نجد معاقبة البلدة بكل مَنْ فيها وما على أرضها، وسحق إرادة أهلها قبل سحق منازلهم لتحويلها عبرة لردع شعب شبه الجزيرة العربية كلّه حتى لا يفكر أحد منهم في رفع صوته بكلمة رفض واعتراض أمام جور السلطة وتجاوزاتها!
ذاكرة أمراء نجد لا تنسى تمرّد وثورة ورفض أيُ أحد ضد حكمهم سواء كان فردًا أو قبيلة أو منطقة، بل يحتفظون بسجل أحقاد وثارات مع كافة قبائل ومناطق شبه الجزيرة العربية، ويتربصون بالجميع راصدين كل حركة مناوئة تتطلع لتحرير الشعب والأرض من استبدادهم ديكتاتوريتهم ومقاومة سياساتهم الطائفية.
العوامية.. اسم يحتل في ذاكرة الأمراء النجديين مساحة لا يمكن للسنين أن تمحوها، وحتى لا نوغل في تفتيش أضابير تاريخ دولتيهم البائدتين الأولى والثانية.. فقد واجه عبدالعزيز بن سعود في العام 1347/ 1929 ثورة مسلحة بقيادة الإمام محمد بن ناصر بن نمر، وقد توالت الصفعات التي وجهتها القطيف والأحساء إلى النظام السعودي ودائمًا ما كان لأهالي العوامية دور المشاركة الفعالة في رفض احتلال السعوديين واعتداءاتهم وبطشهم بالسكان المحليين.
ومنذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي رصدت أجهزة وزارة الداخلية ملامح قامة عصية على التطويع والتدجين، في أعقاب تفاهمات حوار الملك فهد بن عبدالعزيز مع المعارضة الشيعية وتجميد أنشطتها وعودتها إلى “عرين السلطة” بعد 15 عام من المعارضة في المهجر.. تراخت المعارضة وانفرط عقدها وتضعضعت بناها وتناثر كوادرها.. وفي وسط ركام اليأس والانهزام والشعور بالضعف امتشق شيخ ذي قامة سامقة وبدن نحيف اسمه “نمر النمر” راية الجهاد ضد الظلم والكفاح ضد الاستبداد وراح يحفر الصخر بإزميل إرادته الصلبة وبصيرته النافذة، متحديًا ومتجاوزًا كل اتفاقات المعارضة مع السلطة، وأسّس بمفرده نواة حركة شعبية واعية تتطلع للكرامة والعزة والشرف قبل كل شيء آخر!
مبكرًا أدرك أمراء نجد أنهم أمام فوّهة بركان قادم، فأرسلوا الوسطاء تلو الوسطاء وجربوا أسلحة الترهيب والترغيب والإغراء، فصدموا بأنهم أمام رجل أعار لله هامته واشترى بالحياة الدنيا جنة عرضها السماوات والأرض، لا يخضع لتعذيب أو لتهديد ووعيد، ولا تركن روحه لزخارف الدنيا ومغرياتها. ولم تكن ظروف المرحلة السياسية تسمح للسلطة بأكثر من الاستدعاء أو السجن بضعة أيام لانتزاع تعهد أو تلويح بتهديد، لكن القابع على عرش الداخلية أيقن بأن مواجهة حاسمة مع الرجل لا بد أن تحين ساعتها ولو بعد حين!
في العام 2004 طوّقت السلطات منزل “النمر” بعشرات العربات المصفحة وسيارات المباحث لثنيه عن إقامة مهرجان “البقيع حدث مغيّب” وسرعان ما تحولت الشوارع والطرق المحيطة بمنزله إلى ساحة مواجهة مع أنصاره ومريديه بالحجارة والعصي.. ورغم ما سبق وأن تعرض له الشيخ النمر من اعتقالات واعتداءات فقد شكلت هذه الحادثة للسلطة شرارة الاختبار الأول لجسّ نبض الالتحام الجماهيري في البلدة مع الشيخ النمر.
وفي العام 2009 شكلت خطبة النمر التي عُرفت بـ”خطاب الانفصال” مفصلاً تاريخيًا محوريًا في تبلور حركة الشيخ النمر، كما شكل الخطاب نفسه صاعق تفجير وتصعيد الموقف السلطوي من النمر والسعي إلى استئصال حركته، فكل ما رشح عن لقاءات وفود شيعة القطيف والأحساء مع أمراء نجد في جدة والرياض والدمام في أعقاب “أحداث البقيع” بالمدينة المنورة كانت تشير أن النظام السعودي اتخذ قراره بتصفية الشهيد الشيخ النمر وحركته.
وفي انتفاضة الكرامة العام 2011 أدركت السلطة أن الشهيد الشيخ النمر هو المحرّك والمفجر والقائد والموجه والمرشد والأب الروحي والملهم لمئات الآلاف الذين احتشدوا في شوارع العوامية والقطيف مرددين نداء “الشعب يريد إسقاط النظام” و “الموت لآل سعود” وغيرها من العبارات التي أكدت وبعد مرور 100 عام على احتلال ابن سعود للقطيف والأحساء أن شعب هذه الأرض لا زال يرفض بكل جوارحه ووعيه الاحتلال السعودي الجاثم على صدر الجزيرة العربية، الأمر الذي أكده النمر بعشرات الخطب منذ فبراير 2011 وحتى لحظة اعتقاله في 8 يوليو 2012 ولا تزال كلماته الصادحة “ما نريد آل سعود يحكمونا.. مو غصب؟ ما نريدهم”!! ترنّ وتدوي في آذان أمراء نجد وتهز عقر دارهم وتُشعرهم بالخوف والهلع كلمّا سمعوا الجماهير الممتدة من الأحساء إلى القطيف والبحرين ترددها بحناجر ملؤها التصميم والعزم والإصرار!
اجتياح السلطات السعودية لبلدة العوامية بتلك المشهدية الحربية الاستعراضية التي تعمّدت إلحاق أكبر قدر ممكن من الأضرار الفادحة بالبلدة وناسها العزل المسالمين، كان مقصودًا ومخططًا له ولم يكن مجرد نزوة مجند أراد التنفيس عن حنقه الطائفي الذي تغذيه الأيديولوجيا السعووهابية.. كانت حربا سعووهابية شنتها سلطة موتورة مدججة بحقد طائفي وعنصرية مناطقية، وذاكرة تستحضر كل تاريخ البلدة ومواقف رجالاتها، ومدفوعة باستشعار الخطر والتهديد في استمرار التظاهرات والاحتجاجات طوال ست سنوات تموّجت خلالها أقدام الجماهير الغاضبة في الطرقات والشوارع، وظلت حناجرها تصدح بهتافات ومطالب الحرية والعدالة والكرامة، وكانت العوامية مفجرة صاعقها الأول ومعقل انطلاقها وملاذ كوادرها حتى لحظة قرار توقفها!
هذا الاجتياح البربري الوحشي للعوامية أراده السعوديون صندوق رسائل في اتجاهات مختلفة ذات مضامين متعددة منها:
أولًا: الانتقام من بلدة طالما أنجبت الرموز القيادية التي قادت ثورات التحرر بدء من النمر الأول ووصولاً إلى النمر الثاني, والتي طالما احتضنت المعارضين ورفعت راية الاحتجاج والرفض للاحتلال السعودي، حيث كان لشبان العوامية مساهماتهم الفعالة في الحركات الاحتجاجية والتشكيلات المعارضة منذ الخمسينيات فانخرطوا مع اليسار بكل تلوناته حتى منتصف السبعينيات حين بدأ تبلور النشاط الديني المسيّس في صفوف الشيعة المحليين والذي توّج بانتفاضة المحرم 1979 التي فتحت أمامهم قنوات الالتحاق بالحركات الإسلامية، ولهذا كان قرار الإيغال في عقاب العوامية بصورة يتوخى النظام من خلالها عدم عودة هذه الروح للحياة من جديد، عبر اللجوء إلى تشريد السكان ودفعهم قهرًا للانتشار والذوبان في التجمعات السكانية المتعددة سواء داخل القطيف أو خارجها.
ثانيًا: تصفية الحساب مع شيعة القطيف والأحساء والبحرين بالتزامن مع تصفية الحساب الدموية التي ينفذها الكيان الخليفي في بلدة الدراز وحصاره لمنزل الرمز الشيعي الشيخ عيسى قاسم، ولسان حال النظامين يقول لقد آن الأوان لكسر الروح الشيعية المتوثبة التي تبلورت في شباب دوّار الكرامة بالقطيف ودوّار اللؤلؤة بالبحرين، الذين ومنذ ست سنوات يواصلون الليل بالنهار منتفضين في وجه نظامي الحكم دون كلل أو ملل أو يأس أو فتور، في ثورة هي الأطول عمرًا والأكثر تضحيات والأعمق تأثيرًا ونضجًا في تاريخ شيعة البحرين والأحساء والقطيف، في دلالة واضحة لا لبس فيها أن جيل هذه الثورة قد قرر المضي للأمام وحتى ختام فصل من التاريخ يطوي معه صفحة الظلم والاضطهاد والاستبداد.
ثالثاً: استعراض القوة الحربية ضد هدف تُصنفه الأيديولوجيا الوهابية خصمًا عقائديًا يتغيا واهمًا ترميم الروح النجدية التي تستشعر مرارة الهزيمة والانكسار في اليمن وتراجع مكانة السعوديين في العالمين العربي والإسلامي، وهذا ما حرصت السلطة على تمريره عبر الرسائل المصوّرة بالصوت والصورة لعساكرها وهم يتباهون بشن غزواتهم الانتقامية مرة من “عوامية النمر” وأخرى من “رافضة القطيف” وما إليها من عبارات طائفية تتوسل دغدغة مشاعر النجديين وعموم الوهابيين.
رابعاً: في خطوة استباقية لعدم تكرار ما حدث أبّان سقوط نظام الطاغية صدام حسين والانتصار العراقي الكبير وانعكاسه إيجابيًا على معنويات عموم الشيعة في المنطقة، استهدف السعوديون تقويض مثل هذه الحالة المتوقعة مع انكسار المؤامرات السعووهابية في أعقاب تحرير الأراضي العراقية من “داعش” الذراع الباطشة للوهابية ونظام بن سعود، وهذا أحد العوامل التي تفسر إصرار السلطة على إطالة أمد الحصار بل وتصعيد الاستهداف بالقذائف والنيران ضد العوامية وأهلها بالتزامن مع ما يحرزه الجيش العراقي وفصائل الحشد الشعبي من تقدم وانجازات في استكمال تطهير الموصل من بقايا الفلول الداعشية.
والسؤال ماذا أنجزت وكسبت السلطة السعودية بعد 55 يومًا من اجتياح العوامية وحصارها؟
على الأرض خلّف عساكر السعووهابية 11 شهيدًا وعشرات الجرحى والمصابين وركامًا من حطام التدمير والتخريب لكل أوجه الحياة اليومية ومحو أحياء كاملة وتسويتها بالأرض وتجريف 31 مسجدا وحسينية وتغيير معالم البلدة وتشويه ملامحها وتهجير نحو 6 آلاف مدني أعزل من منازلهم سواء منهم مَنْ نزح إلى خارجها أو مَنْ انتقلوا للعيش مع أقربائهم في البلدة نفسها، ولا شيء آخر! فهل يُعد هذا في الميزان العسكري أو الأمني أو السياسي انتصارًا؟!
إن أهم الآثار والنتائج التي تركها وسيتركها الاجتياح الوحشي للعوامية أنه سيعمق حالة القطيعة ويُجذّر الرفض والكراهية في نفوس أهالي المنطقة كلهم وليس في العوامية وحدها اتجاه بنية النظام أسرة ومنطقة وأيديولوجيا، وهو ما سيترجم استراتيجيا في البحث عن خيارات التخلص من قبضة الاحتلال، ولا عبرة بالأصوات الشاذة أو ما يظهر على السطح من بيانات وخطابات كلنا يعلم أنها وليدة الخوف والقهر، الذي لو قُيّض له أن يزول لسارع الأشخاص أنفسهم للتبرؤ من كل كلمة كتبوها أو قالوها استجابة لإملاءات السلطة ورضوخًا لتهديداتها.
لقد فشلت آلة الفتك السعودية أن تكسر إرادة الكرامة وروح العزة في نفوس أهالي العوامية، رغم المعاناة والآلام والصعاب، وهم المجتمع الذي لم يختبر طوال عقود متعاقبة أجواء الحروب والحصارات العسكرية، لكنهم أصروا أن يتغلبوا على بطش السعوديين بعزة أرواحهم وتكاتف قواهم وتنظيم طاقاتهم فخلقوا إدارات بديلة لكل ما عطلته السلطة وحرمتهم منه، فصارت اللجان الأهلية والشبابية أشبه بالوزارات تشرف على تنظيم وتيسير جميع مرافق الحياة اليومية من أعمال البلدية إلى الصحة والدفاع المدني والمساندات الاقتصادية والغذائية.
انتفاضة الكرامة.. عوامل القوة والتحديات:
لا يمكن تقديم تقييم موضوعي لحراك الشارع الشيعي والمنعطف الذي مرّ به في انتفاضة الكرامة 2011 دون النظر الى الأحداث والتحولات خلال العقدين السابقين حيث التململ والتردد وابتداء البحث عن منافذ لحراك سياسي مفقود وغائب طوال سنوات، وأعقب ذلك واقعة البقيع 2009 وما صاحبها من انفجار جماهيري مؤقت في المدينة المنورة وما تبعه من ردات فعل الشيعة والنظام.. وهذا ما حاولنا استظهار تفاصيله الضرورية في المحاور السابقة.
ان انطلاقة انتفاضة الكرامة الجماهيرية في أصلها كانت فعل غير مبرمج، أو على الأقل لم يهدف المخطط والمشارك في تنفيذها الى هذا المستوى الذي وصلت إليه كيفًا وحجمًا وزمانًا. ولا يمكن افتراض آباء لهذه الانتفاضة عدا ثلاثة أطراف: تيار الشيخ نمر النمر، تيار خط الإمام، وحركة خلاص بقياداتها وكوادرها وأفرادها. وأظن الأطراف الثلاثة لم يتوقعوا استمرار الانتفاضة ستة أعوام متتابعة، كما لم يكن أي منهم يتوقع أن المجتمع الشيعي سيصمد وسيضحي ويقدم نحو 200 شهيد وما يربو على 1400 معتقل إلى جانب عشرات الجرحى والمطاردين ومئات المفصولين من وظائفهم، ورغم ذلك كلّه لم يتزحزح المجتمع ولم يتزعزع وبقي ثابتًا ومصرًا على مواصلة انتفاضته رغم تعاظم التضحيات متحديًا بطش السلطة وقمعها الدموي.
الشرارة الأولى:
انطلق الحراك يوم الخميس 17 فبراير 2011م من خلال مسيرة احتجاجية في بلدة العوامية مطالبة بالإفراج عن سجناء الرأي، وسرعان ما انتقل إلى القطيف المركز يوم الجمعة 25 فبراير، ثم بلغ الحراك ذروته في شهر مارس ليشمل مختلف مدن وقرى وبلدات القطيف والأحساء وارتفع سقف المطالب إلى المطالبة بالسجناء التسعة “المنسيين” الذين أمضوا في السجن وقتذاك 16 سنة إلى جانب شعارات طالبت برفع التمييز الطائفي وتحسين ظروف المعيشة وإعلان التضامن مع ثورة 14 فبراير في البحرين.
سارعت السلطة للتواصل مع وجهاء وأعيان الشيعة وحملتهم مسؤولية التصدي للشارع وإنهاء التظاهرات، وبدأ بعض علماء الدين والمثقفين وكبار التجار بالتحرك لوأد الحركة الاحتجاجية عبر البيانات والتواصل المباشر مع الأطراف الفاعلة، وتحت ضغط السلطة وتهديدات الأجهزة الأمنية انتقل بعض علماء الدين إلى نشر التصريحات والخطب مطالبين بوقف الحراك تحت عنوان التهدئة، ولم تلقَ دعواتهم استجابة واسعة فاستمر الحراك في بعض المناطق لا سيما بلدة العوامية نظرًا لبتني الشهيد الشيخ نمر النمر للحراك ودعمه وتوجيهه، ولكن تم رصد انخفاض الأعداد المشاركة حتى في العوامية نفسها، مقارنة بالفترة السابقة لإصدار البيانات، خصوصًا بعد حملة الاعتقالات والقمع الشرس الذي شنته السلطة فقد اعتبرت بيانات العلماء ودعوات النخبة تمنحها التأييد العلني والشرعية المطلقة لمواجهة المحتجين.
واستمرت فعاليات الحراك تنظم وقفات ومسيرات احتجاجية، وفي أكتوبر 2011م ارتفع سقف الشعارات للمطالبة بتنحية أمير المنطقة الشرقية محمد بن فهد، على إثر الهجمة الشرسة التي شنتها القوات الأمنية ضد المتظاهرين في العوامية واعتقال العشرات بينهم طاعنين في السن.
وشكل استشهاد الشاب ناصر المحيشي في 20 نوفمبر2011 لحظة مفصلية فجرت انتفاضة الكرامة وحشدت عشرات الآلاف من الأهالي والنخب العلمائية والثقافية في الشارع، وأصبحت المطالبة بإسقاط آل سعود وشعار “الموت لآل سعود” القضية الأساسية المركزية للحراك، لنشاهد ارتفاع اليافطات المطالبة بالشراكة السياسية، وإقامة حكومة منتخبة، وسرعان ما تبدل مزاج جماهير الحراك لينتقل إلى رفع شعارات المطالبة باستقلال إقليم الأحساء والقطيف وانفصاله عن الكيان السعودي.
كما دفع اعتقال الشيخ النمر في 8 أغسطس 2012 بالطريقة البوليسية الدموية بعض مجموعات الحراك لاتخاذ خطوات تصعيدية ومواجهة علنية مفتوحة اتجاه السلطة، تمثلت في مهاجمة المقر الرسمي للمحافظة ومحكمة القطيف الكبرى بزجاجات الملتوف الحارقة، رغم محاولات الوجهاء مرة أخرى الدعوة إلى التهدئة وإضفاء الشرعية على ممارسات السلطة تحت عناوين ومقاربات مختلفة.
ولادة المجموعات الميدانية:
شكلت صفحات الفيسبوك قناة رئيسية فعالة لنشر وترويج دعوات التحشيد وإعلانات جدولة الفعاليات وتحديد أماكن التجمع في كل منطقة، وقد أتاح الفرصة للتنسيق بين الفاعلين في عموم المدن والبلدات، ثم اتجه النشاط الميداني نحو تنظيم وتنسيق الخروج في تظاهرات موحدة أكثر زخمًا وتأثيرا في وسط القطيف.
وساهمت فعاليات الحراك اليومية، وتصاعد إجراءات الأجهزة الأمنية، في إبراز الحاجة لتكوين مجموعة شبابية في كل منطقة وقرية تتصدى بفعالية لإدارة وتنظيم شؤون التظاهرات وتأمين مستلزماتها اللوجستية، وإعداد وتحضير الشعارات واليافطات، وتأمين التواصل مع المجموعات الأخرى في بقية المناطق والقرى لتنسيق الجهود والطاقات وتبادل الخبرات والإمكانات والمعلومات والأخبار.
في ديسمبر 2012 وبعد أن قتلت السلطات السعودية أربعة متظاهرين خلال 20 -23 نوفمبر كثفت المجموعات الشبابية تواصلها ورفعت مستوى تلاقيها وتنسيقها، وقررت تشكيل ائتلاف يجمع كل القوى الفاعلة في الساحة، فتم العمل والتحضير بين مجموعات ميدانية من مختلف التيارات وتقرر إطلاق “ائتلاف الحرية والعدالة” الذي جمع تحت مظلته مختلف المجموعات الشبابية التي دشنت الحراك أبان انطلاقته الأولى، متجاوزًا جميع الحواجز المناطقية والفئوية.
نجح الائتلاف في تنظيم فعاليات سياسية ضخمة وغير مسبوقة في الحراك “بعضها قبل الإعلان الرسمي للائتلاف” شارك فيها الآلاف من الرجال والنساء ومن مختلف الأعمار والتوجهات، حضر في بعضها علماء ومثقفون ووجوه مجتمعية بارزة ومؤثرة، ومن أشهر تلك الفعاليات:
– مسيرة العدل الإلهي في ذكرى مولد الرسول الأكرم (ص) – القطيف.
– جمعة زلزال الأحرار – القطيف.
– المهرجان الخطابي الأول “منبر الأحرار” في القطيف.
– المهرجان الخطابي الثاني “منبر النمر” في العوامية.
– المهرجان الخطابي في يوم القدس العالمي – القطيف.
– المهرجان الخطابي في يوم البقيع العالمي – القطيف.
– مسيرة كلنا نمور – القطيف.
– مسيرة النمر رمز الطائفة – القطيف.
– مسيرة “رحمة للعالمين” للدفاع عن رسول الله “ص” – القطيف.
– مسيرة التلبية للشهداء والجرحى والمعتقلين – القطيف.
– مسيرة الوفاء للشهداء – القطيف.
– مسيرة الذكرى السنوية الأولى للشهداء “يوم الشهيد”.
– مسيرة الأقمار التسعة – القطيف.
عوامل القوة والاستمرار:
بلور الحراك وعيًا دينيًا وسياسيًا أكثر نضجًا وتقدمًا لدى شريحة واسعة من شباب الشيعة بوجوب مدافعة ومقارعة السلطة والسعي الى إنهاء معاناة الطائفة ووضع حدّ لتمادي النظام في سياساته الطائفية ضد الأهالي والمنطقة، وأن الطريق لاستعادة الحرية والكرامة والحقوق سيمرّ فوق تضحيات جسام ومعاناة وآلام وخسائر في الأرواح والأرزاق.. وقد أثبتت هذه الشريحة استعدادها التام لتحمل فاتورة الخلاص ودفع الثمن الغالي في سبيل تحقيق طموحاتها وتطلعاتها وتقديم منجز سياسي للأجيال القادمة.
حضور ثقافة الاستشهاد والتضحية: رغم اغراءات رفاهية العيش والحياة المادية لدى الطبقات والفئات المخملية في المجتمعات الخليجية ومنه مجتمعنا المحلي وشيوع ثقافة الاستهلاك والتمتع باللذائذ، انتصر شباب الحراك، وأغلبهم من الطبقات الفقيرة والمسحوقة، على جاذبية المتع الدنيوية وتساموا بأرواحهم وتطلعاتهم الى الحياة الخالدة في الآخرة، وبات طموح وهدف الكثيرين منهم أن يفوز بالشهادة ويغادر هذه الدنيا مضرجًا بدمائه في سبيل الله والقيم السماوية. ولا نبالغ إذا قلنا أن هناك عشرات من الشباب يقضون أيام عمرهم وأرواحهم معلقة بأهداب السماء تنتظر العروج الى بارئها على بساط الاستشهاد، وارتكازًا على هذه القاعدة نجد شبابنا يستهينون بالسجن وبالتعذيب وبالمطاردات الأمنية وبالآلام وبالمعاناة وبقلة ذات اليد وشظف العيش. لقد أحيت الانتفاضة في أرواح أبناء مجتمعنا التطلعات الإيمانية للفوز بالآخرة، وهذا ما عجز حتى الآن عن استيعابه كثيرون من نخب المجتمع الشيعي وقياداته ورموزه، فضلاً عن النظام السياسي وحاشيته.
أبرز ما ميّز هذه الانتفاضة أنها شبابية بامتياز، وقد استطاع الشباب رغم صغر سنهم وحداثة تجربتهم وانعدام أو شبه انعدام خبرتهم أن يؤسسوا ويبنوا قواعد ارتكاز لعملهم وحراكهم، بل ويبدعوا ويطورا ما يذهل ويدهش عقول النخبة، وسنشير لأبرز ما أنجزوه:
إعلاميًا: انبثقت عشرات الصفحات والمواقع على الفيسبوك والشبكة الإلكترونية وتكفلت بنشر أخبار الحراك الثوري وفضح انتهاكات النظام ودعمت التحشيد للتظاهر والاعتصامات والفعاليات المختلفة الأخرى، كما ساهمت في رفع وعي الشباب السياسي والأمني ودعمت التنسيق وتبادل التجارب والخبرات بينهم.
أمنيا: لا ننفي بأن النظام بإمكاناته وخبراته وحجم أجهزته وكوادره البشرية الضخمة حقق نجاحات ووجه ضربات مؤلمة للحراك سواء في قتل كوادر ميدانية رئيسية أو اعتقال آخرين أو محاصرة ومطاردة البعض الآخر، ومع ذلك أحرز الشباب الثوري نجاحات باهرة واستطاع أن يوجه ضربات مؤلمة وموجعة للنظام وفاجأ أجهزته الأمنية باقتحام بعض مواقعهم بقنابل المولوتوف، وأيضا اختراق وتدمير بعض مواقعه الالكترونية، بل اختطاف بعض عناصره لساعات وتجريدهم من السلاح والعتاد وبطاقات هوياتهم المختلفة وتوثيق ذلك كله. أضف لذلك استهداف مراكز الشرطة ونقاط وحواجز التفتيش بمختلف وسائل المقاومة الشعبية، وآخرها انزال علم دولة النظام من فوق عدة مباني عامة ما أثار غضب النظام وجنونه!
بناء التجهيزات: الحراك الميداني يتطلب أدوات وتجهيزات ووسائل وإمكانيات للدعم المستمر والمتجدد، كاليافطات والميكرفونات وكاميرات التصوير وأدوات النسخ والطباعة وأجهزة الاتصال والتواصل بين المجموعات وأجهزة إدارة المواقع الإلكترونية.. الخ، ورغم انحصار الحراك في شريحة الشباب استطاعوا أن يؤمّنوا لأنفسهم الاحتياجات الأولية وإن بشكل متواضع، وبنوا مخابئ لتلك الأدوات وأمَنّوا وسائل وطرق آمنة نسبيًا لنقلها إلى مراكز وأماكن التظاهرات ثم إعادتها للمخابئ مرة أخرى.
الاستقطاب: انطلق الحراك فقيراً ومتواضعاً، لكنه نجح في لحظات مفصلية استثمار أحداث محلية وإقليمية وعبر استحضار قضايا محلية كالمعتقلين المنسيين استطاع أن يجذب ويستقطب قطاعًا واسعًا من المجتمع الشيعي، حتى وصل عدد المتظاهرين في بعض الفعاليات إلى ما يفوق 10 آلاف مشارك بين رجل وامرأة وطفل، فضلا عن عشرات الآلاف في مراسيم تشييع الشهداء.
تطوير وابداع الوسائل: اجترحت الشريحة الشبابية المقاومة أساليب ووسائل إبداعية متجددة باستمرار في مناكفة النظام السعودي ومشاكسته، وأثبتت أنها قادرة على تحقيق الغلبة على النظام في مواقع كثيرة إعلامية وأمنية وميدانية، ولعل من المناسب هنا الإشارة الى مصادرتهم سيارة أحد عملاء السلطة واستخدامها وسيلة لنقل أدوات ووسائل التظاهر من منطقة لأخرى دون لوائح وقد غيروا مظهرها العام، وظلّت السلطة تبحث وتطارد تلك السيارة طوال شهور عدة فلم تفلح في العثور عليها، حتى أربكت أجهزت الأمن بسبب انتقال تلك السيارة بين العوامية وصفوى والقطيف وتاروت وأم الحمام متخطية كل الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش والحصار الأمني المفروض، ثم تختفي في مخبئها دون أن يدري أحد كيف؟ وأين؟ لتظهر من جديد في ميدان آخر ومنطقة مختلفة!
تخطي الحواجز الحزبية والطائفية والمناطقية: ساهم الحراك الشيعي إلى جانب عوامل أخرى في تحفيز الطائفة السنية على رفع صوتها وإعلاء مطالبها في الإصلاح والافراج عن المعتقلين، بل رصدنا ما يمكن اعتباره تقليد حرفي من قبلهم لطرق وأساليب التحرك والتظاهر بما يشمل الشعارات ووسائل التحشيد المتبعة عند النشطاء الثوريين الشيعة. واستقطب حراك القطيف العديد من النشطاء السنة من الرياض وجدة وحضروا وشاركوا الأهالي في التظاهر، وبينهم منتمون لأحزاب وقوى يسارية ظل لفترة يشارك متظاهري القطيف أنشطتهم وساهم بفعالية في الإعداد والتحضير وألقى كلمات وخطابات جماهيرية في المنابر الميدانية التي أقامها “ائتلاف الحرية والعدالة”، بل استقطب الحراك بنات الملك عبدالله الأميرتين سحر وجواهر من طليقته الأردنية العنود الفايز المقيمة في لندن، حيث كن محتجزات تحت الإقامة الجبرية في أحد القصور الملكية في جدة، ووجهت الأميرة سحر رسالة مصورة بثت على اليوتيوب دعما للمتظاهرين جاء فيها: “كم هو مشرف و جميل أن تضمونا تحت أجنحة المناضلين الملهمين عبر السنين، يا من علمتمونا معنى الصمود والكرامة والحرية والحقوق.. سائرون على خطاكم بقلوب تنبض فخرًا بكم، وعدًا منا أن أيدينا لن تُفلت أيديكم ويد الله فوق أيدينا، نستلهم من شيخنا (النمر) فخر الأحرار”.
الحضور الدولي: حققت الانتفاضة حضورًا اعلاميًا وسياسيًا دوليًا وأعادت الملف الشيعي المنسي والمُغفل في أروقة الساسة والاستخبارات الدولية إلى طاولة النقاش والبحث والسؤال، وهو انجاز قياسي ومهم، إن أحسنت الطائفة استثمار هذا الحضور وأجادت بناء التوازنات والأحلاف وقبضت على ملف القضية الشيعية شرق الجزيرة العربية بوعي وقوة تدرك أهميته والإمكانات التي يحتويها!
الاستنزاف والحصار: بعكس ما قد يتبادر الى أذهان البعض ممن يظنّ أن النظام استطاع محاصرة الحراك وانهاكه واستنزاف طاقاته وكوادره، فإن الواقع والتحليل للمعطيات الميدانية تثبت العكس تمامًا، فالنظام واجه أزمة حقيقية أمام الانتفاضة التي استمرت ستة أعوام، فلا هو استطاع القضاء عليها ولا تمكن من احتوائها، ولم يستطع كشف ومعرفة عوامل استمرارها وصمودها. قتل 200 نفسا زكية، وأعاق حركة العشرات إمّا بالإصابة المباشرة وإما بفرض الطوق الأمني عبر ادراج قائمة المطلوبين ومطاردة النشطاء فضلا عن اعتقال القيادات والكوادر، هذه كلها ضربات موجعة وقد يكون بعضها أضعف الحراك بنحو ما لفترة زمنية محددة، إلا أن الحراك أثبت قدرته على الصمود والتعافي والنهوض من جديد بعد كل ضربة يوجهها النظام وهذا ما أذهل المراقبين الدوليين من استخبارات وسياسيين وإعلاميين.
نعلم أن قوى كثيرة سلطوية ومجتمعية راهنت على وأد الانتفاضة وإفشالها عبر عشرات المحاولات بمختلف السبل والوسائل الأمنية والعسكرية والسياسية والاجتماعية وحتى الدينية. لقد حيكت المؤامرات وأصدرت البيانات وألقيت الخطابات ورُوجت الإشاعات بأيدي السلطة تارة وعملائها أخرى وعلى أيدي المخدوعين والمغرّر بهم من أهلنا ثالثة، كما مارست السلطة إجرامها وعبثها وإرهابها، وظن بعضهم أن اعتقال الشيخ النمر ثم إعدامه كفيل بالقضاء على الانتفاضة ولكن أملهم خاب وصدق تنبؤ الشهيد الشيخ النمر حين قال: “أنا على يقين من أن اعتقالي أو قتلي سيكون دافع للحراك”!
تحديات واجهت الانتفاضة:
لم تكن قيادات الحراك تخشى عليه من السلطة بقدر خشيتها عليه من الداخل الشيعي نفسه. فالنظام السياسي مشخص كعدو وشر مطلق، ولا يُتوقع منه غير الإجرام والتآمر على المجتمع والجماهير الشيعية، وحين انطلقت المجاميع الشبابية في انتفاضتها لا بد وأنهم توقعوا بطش النظام وعنفه، ولذلك أصبحت ثقافة الاستشهاد والتضحية حاضرة منذ اليوم الأول في أذهانهم وأرواحهم. وسنحاول هنا أن نلخص أهم التحديات التي واجهت الحراك:
أولاً/ ما يتعلق بالسلطة:
القمع العنيف والترهيب الدموي والتخويف النفسي: الكثير من الناس يتملكهم الخوف بسبب الأساليب القمعية التي تتخذها السلطة عبر استخدام الرصاص الحي والقنص وقمع الاحتجاجات بشكل وحشي والاعتقال والتعذيب وقطع الأرزاق وملاحقة النشطاء والمتظاهرين والمؤيدين للحراك فحتى الجرحى المصابين الذين يتم إدخالهم للمستشفيات يتم اعتقالهم بشكل فوري.
الجانب الأمني: استطاعت السلطة تحقيق انجازات أمنية على الأرض، سواء أقررنا بحدوث اختراقات أمنية لصفوف كوادر الحراك أو لا، فهي استطاعت تجنيد بعض أبناء الشيعة من الجنسين والذين أمدوها بمعلومات لا يستهان بها عن الحراك وعناصره الفاعلة. كما قدم الحراك عشرات الشهداء والجرحى ومئات المعتقلين، وبعد التدقيق في هوية الشهداء والمعتقلين نرى أن أكثرهم كوادر ميدانية وقيادات أساسية في إدارة وتنظيم الحراك وتنفيذ برامجه وأنشطته.. خلقت السلطة معاناة حقيقية جرّاء قيامها بالتركيز على استهداف لكوادر الانتفاضة الميدانيين بالرصاص الحي.. وتتبعها لمَنْ يتم التعرف على هويتهم ونصب الكمائن لهم واختطافهم من عرض الشارع بواسطة سيارات مدنية يستقلها مسلحون بزي مدني.
شيطنة شباب الحراك: اشتغلت السلطة مبكرًا على شيطنة الحراك وشبابه وتشويه منطلقات الحراك وكوادره واتهامهم باستخدام العنف وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، وصولًا إلى طعنها في أعراضهم وشرفهم وأخلاقهم وأمانتهم، وكان الشهيد الشيخ النمر يتصدى لتفنيد تلك المزاعم بجرأته وصراحته المعهودة، فقيادات الحراك وكوادره الأساسية هم نماذج صادقة في الالتزام الديني والرقي الأخلاقي والسلوكي والغيرة على الشرف والأعراض والحرص على حفظ وصيانة الممتلكات والحقوق العامة والخاصة. وأما عامة الجماهير المشاركة في فعاليات الانتفاضة فهم أبناء المجتمع نفسه بكل ما يزخر به من عينات طيبة أو سيئة، فمجتمعنا كغيره من المجتمعات البشرية ليس ملائكيًا، ولكن العينات غير الملتزمة وغير المنضبطة قلة نادرة وأفراد معزولين لا يعتد بهم، ومن الطبيعي حضور بعضهم في الفعاليات المجتمعية المفتوحة أمام الجميع.
شباب الحراك لم ينجروا لممارسة العنف ابتداء ولكن بعضهم اضطر للاستعانة بما استطاعه للدفاع عن نفسه وحرمة منزله وشرف أسرته أمام تغول عنف الأجهزة الأمنية وتعدياتها الوحشية على الأعراض والأرواح وهتك حرمة المنازل. كما ثبت بالأدلة القاطعة أن عناصر قوات السلطة قامت بسرقة المنازل والمحلات التجارية والصيدليات ثم ألقت بالتهمة على شباب الحراك!
ومما يؤسف له أن العديد من نخب الشيعة صدقوا مزاعم السلطة وأكاذيبها وحجتهم الواهية الاستناد إلى حضور بعض أصحاب السوابق في ميادين وساحات التظاهر!! وكأنه كان مطلوبا من قيادات الحراك وكوادره نصب البوابات والحواجز في الشوارع والقيام بطرد هذا وذاك ممن تحوم حوله الشبهة أو يثار حوله القيل والقال!
استهداف الوحدة المجتمعية: خططت وعملت السلطة على زعزعة وحدة المجتمع الشيعي وخلخلة روابطه وإضعاف لحمته بهدف منع أي مبادرات للمساندة والتعاضد والتعاون والاحتضان بين فعاليات المجتمع ومؤسساته الاجتماعية والإنسانية والخيرية وأفراده الناشطين وبين شباب الحراك وعوائل المعتقلين والشهداء، وهي تستهدف بذلك تذويب عوامل صمود المجتمع الشيعي أمام تغولها وبطشها وعنفها الوحشي.
ولم تستنكف عن ممارسة أخبث السبل وأحقرها في سبيل تحقيق هدفها، فعمدت إلى حرق منازل بعض المختلفين مع الحراك أو المناوئين له وألقت باللائمة والمسؤولية على شباب الحراك، وفي حالات أخرى تشبه عناصر من المباحث وقوات المهمات الخاصة بارتداء ملابس أهالي المنطقة وتلثموا وقاموا بالاعتداء على أشخاص ممالئين لمواقف السلطة وهم يهددون المعتدى عليه بكلام يفهم منه أنهم من شباب الحراك، كما ضغطت أمارة “المنطقة الشرقية” وأمارة الأحساء ومحافظة القطيف مرات متكررة على علماء ووجهاء المنطقة لاصدار بيانات الإدانة والتنديد بالحراك ورموزه وشبابه وتشريع عنف السلطة لضرب أسفين الفتنة في المجتمع وإشعال الخلافات والفرقة بين موقعي تلك البيانات وبين جماهير الحراك.
ثانيا/ ما يرتبط بالمجتمع الشيعي المحلي:
غياب الحاضنة الاجتماعية الدينية: على رغم العدد الهائل الذي يزخر به مجتمعنا الشيعي المحلي من علماء الدين والمشايخ وطلبة العلم في القطيف والدمام والأحساء، إلا أن أحداً منهم لم يبادر الى النهوض بمشروع سياسي لا منفردًا ولا بالشراكة مع غيره من رجال الدين أو النخبة.
الشهيد الشيخ نمر النمر شكل علامة فارقة في الوسط الشيعي باحتضانه منذ وقت بعيد النشاط المقاوم للخنوع لإملاءات وسياسات السلطة السعودية، ومبادرته منذ نزوله إلى البلاد عام 1995 على بناء وإعداد جماعة دينية سلحها بالوعي والكفاءة لتنهض بمسؤوليات مشروع يتطلع ويطمح إلى صناعة وضع سياسي مختلف للمجتمع الشيعي المحلي، وباعتقاله خَلت الساحة من رمز ديني يحتضن الحراك ويدعمه ويمنحه المشروعية ويمده بالرؤى والأفكار ويبث فيه الروح والطاقة العنفوان، بالنهج المباشر والطريقة العلنية التي كان يمارسها الشيخ النمر. لقد تسبب اعتقال الشيخ النمر في إضعاف التجاوب والفاعلية الجماهيرية مع الأنشطة التي تنفذها جماعات الحراك عمومًا.
وقد عوّل كوادر الانتفاضة أن ينهض بدوره بعض القامات الدينية أو حتى بعض الأسماء الأقل حضورا ورمزية.. لكن أملهم ورهانهم لم يكن في محله ولم يتحقق! ندرة وجود العمائم التي تدافع عن القضية وتؤيد وتدعو للحراك بشكل واضح وصريح، أضعف استجابة الشريحة الأوسع من المجتمع الشيعي التي تتأثر وتستجيب وتثق بفئة المشايخ أكثر من أيّ فئة أخرى.
وللإنصاف فقد تصدى بعض العلماء للدفاع عن الحراك وشبابه ورفض الدعوات والبيانات التي أصدرتها النخبة الدينية والثقافية المناوئة للحراك، ولكن الأجهزة الأمنية لم تمهلهم لإكمال مهمتهم وبادرت لاعتقالهم ولا يزال بعضهم رهن الاعتقال حتى يومنا هذا من العام 2026.
إن غياب الحاضنة الدينية والاجتماعية جعل الحراك مكشوفًا بلا غطاء واستضعفه بعضهم فراح يكيل له الضربات إما بقصد ومع سبق الإصرار تنفيذًا لأجندة السلطة عبر أياديها وعملائها الذين غاب الصوت المرتفع الذي يلجمهم ويرد على تخرصاتهم وأقاويلهم وافتراءاتهم، وإما جهلًا وانخداعًا كما حدث على ألسنة بعض المشايخ المحسوبين على الحراك والخط الثوري نفسه، بل بعضهم تكرر منه الخطأ بتوقيعه أولاً على بيان السبعة ثم تكرار خطاباته في اطروحات تطالب الشارع بالهدوء أو بتجنب الشعارات السياسية والمطلبية، ليس لسوء نيته أو خبث دوافعه وإنما لعدم نضجه السياسي والحركي.
انعزال النخبة وموقفها السلبي: انقسمت النخبة في المجتمع الشيعي بكل تفرعاتها بما فيهم المشايخ وعلماء الدين بين من اتخذ موقفا سلبيًا ومضادًا للحراك وانخرط في ممارسة أدوار ومبادرات تناصب الحراك العداء وتسعى لإجهاضه، وبين فريق آخر نأى بنفسه واتخذ موقفًا صامتًا متفرجًا ولم يحسم قراره بالمشاركة أو المقاطعة الكلية، كما لم يتخذ موقفًا مضادًا على الأقل في العلن، وفريق آخر من النخبة دعم الحراك وأيده في بدء انطلاقته ولمّا اشتد قمع السلطة وأوغلت في العنف وسفك الدماء تملكته الرهبة والرعب فقرر الانسحاب والتواري من الساحة ولاذ بالصمت والغياب التام مفضلًا اعتزال معترك الصراع، متخليا عن مسؤوليته كمثقف وكفرد من مجتمع يخوض معركة مصيرية من أجل كرامته وحريته وحقوقه.
غياب النخبة حرم الحراك من طاقات وقدرات ناجزة وقادرة على العطاء، كما حرمه من عقول راشدة يمكنها التسديد والتوجيه ورفد الحراك بالتنظير له والدفاع عنه وترويجه وتثبيت مبرراته ومنطلقاته وشرعيته الدينية والاجتماعية والسياسية، كما ساهم غياب النخبة في اظهار الحراك في نظر المجتمع والسلطة في صورة صبيان ومراهقين طائشين لا يُقدّرون الموقف ولا يبالون بالأضرار المرتدة بسبب أنشطتهم على المجتمع ومصالحه، وفي ارتداد دوري للأثر تسبب شيوع هذا التقييم في ابتعاد شرائح اجتماعية كبيرة عن الحراك وإحجامها واستنكافها عن المشاركة في فعالياته.
في لحظة حرجة شعر شباب الحراك بوحدة وغربة في الميدان، فنادرًا جدًا ما يحصلون على تأييد أو ثناء أو دعم من النخب أو الجهات الاجتماعية أو الثقافية، في وقت كان الحراك بأمسّ الحاجة لحاضنة اجتماعية من النخبة والمثقفين ورجال الدين، تدعمه وتؤيده وترشّد حركتهم في الميدان، بل كان طموحهم أن ترقى النخبة وتتحمل مسؤوليتها التاريخية وواجبها الشرعي ووظيفتها الاجتماعية فتقرر المشاركة الفعلية بالنزول معهم الى الشارع كتفا بكتف!
تشتت النشطاء والتنافس السلبي: ساهمت تقنية الاتصالات والتكنولوجيا الحديثة في دعم الحراك ايجابيا كما أشرت في القسم الأول، لكنها أيضا تحولت الى عبئ كوسيلة ساعدت على التنافس السلبي. تزاحمت في الفضاء الإلكتروني عشرات الصفحات الفيسبوكية بعناوين مختلفة وعطاء ومضمون ومستويات متفاوتة بين الممتاز وبين السيء وبينهما تتأرجح كثير من الصفحات، تمثل الخطر الناجم عنها أن كل صفحة حراكية تحمل اسما لجهة وهمية غالبًا، وربما لا يتجاوز المؤسس والمنفذ شخصًا واحدًا بمفرده أو بضعة أشخاص يُعدون على أصابع اليد الواحدة، وبعض هذه الصفحات باتت تستنزف جهودًا دون طائل، وبعضها وبسبب عدم النضج والوعي السياسي والأمني ساهم في نشر ما يضر الحراك أو يدينه، وقد سعت قيادات الحراك لتلافي بعض هذه الحالات فنجحت مرات وأخفقت أخرى.
تبرز الاشكالية أكثر حين نعلم بأن بعض هذه الصفحات والمسميات تسعى لتنفيذ أنشطة ميدانية تتعارض مع نشاطات وخطط الجماعات الكبرى والرئيسية في الميدان، فضلًا عن حدّة التنافس وسيادة الروح الحزبية الفئوية بين الجماعات الرئيسية الكبرى نفسها، وعدم قدرتها على التنسيق الإيجابي بشكل مستمر، بل وانغماس البعض في الكيد للبعض الآخر ومحاولة إضعافه أو محاصرته.
لقد أصبح الحرص على بروز الأسماء والحضور الفئوي يُسهم في شق صفوف النشطاء وإبعادهم عن بعضهم البعض نفسيًا وعمليًا، وأضاع روح التعاون والدعم والتنسيق، وغابت إلى حدّ ما مشاعر الوحدة والفريق الواحد، فبرز انحدار نحو التركيز على الهامشيات والصغائر، وغياب للتفكير الاستراتيجي على الأهداف الجوهرية والمشتركات الكبرى.
ضعف الحضور السياسي المعارض في الخارج: يفترض أن يتكامل الحراك الداخلي مع العمل المعارض في الخارج، لكن الحراك في سنواته الأولى لم يحظَ بالحضور الدولي المفترض سياسيًا وإعلاميًا وحقوقيًا، فهو إما معدوم أو شبه ذلك وعلى أقل التقادير فانه حضور باهت، فلا اعتصامات أمام السفارات والملحقيات السعودية حول العالم أو في أوروبا وأمريكا أقلًا، ولا مؤتمرات سياسية تؤكد وتدعم شرعية الحراك ومطالبه وتدين النظام وتعرّي سياساته التمييزية وظلمه الفاضح، ولا ندوات حقوقية ولا معارض صور تفضح انتهاكات النظام وتجاوزاته وتخلد ذكرى الشهداء وتستحضر قضيتهم وتجرّم بشاعة قتلهم والتمثيل بجثثهم، فضلا عن الغياب الدولي التام لقضية المعتقلين السياسيين، فما كان موجودًا لا يتعدى خبرًا في نشرة متلفزة أو تقريرًا في مطبوعة هنا أو هناك.
إن الحضور الدولي للحراك من شأنه أن يُشعر الداخل بقوته وتأثيره وجدواه الحقيقية، ويرفع معنويات النشطاء ويداوي جراح المصابين ويكفكف دموع أمهات الشهداء وآبائهم، فمع الحضور الدولي للقضية الكل سيشعر بانعكاس لتضحياته وتأثيرها الإيجابي، وقد نعزو هذا الغياب إلى قلة الكادر المعارض في الخارج، وضعف إمكاناته المادية بسبب غياب أو ضعف الدعم والتمويل، مما يحدّ من قدرة الحركة والانجاز.
الضعف الإعلامي: افتقد الحراك في الداخل للأجهزة الإعلامية المتخصصة التي تبرزه وتظهره للعالم بالطريقة الصحيحة الفاعلة، علمًا أنه اعتمد منذ بداياته على منصتي الفيسبوك وتويتر وتحت إدارة منظمي الحراك أنفسهم، وربما لا يوجد أو قلة هم المتخصصين في الشأن الإعلامي الذين يديرون صفحات الفيسبوك التابعة للحراك رغم أهميتها ودورها الكبير.
نقص الكادر وندرة الكفاءات المتخصصة: في الجوانب التنظيمية والميدانية والإعلامية حيث ترتب على النقص قيام بعض الأشخاص بعدة أعمال في آن واحد مما خلق بعض الثغرات الأمنية وعطل العديد من الأعمال عند فقدان أحد الكوادر. كما نتج عن هذه المعضلة أن بعض الأعمال تنجز من قبل كفاءات غير متخصصة في نفس المجال مما يسبب البطء أو ضعف وركاكة المنتج نفسه.
عدم استثمار الجانب المعنوي: تأخرت عملية تلبية الحاجة الملحة جدًا لتغذية معنويات الجماهير وبث الحماسة في أرواحهم عبر وسائل التوجيه المعنوي، وعلى سبيل المثال إنتاج الأناشيد الثورية أو الأناشيد والبرامج التي تمجّد وتخلد الشهداء، فلم تظهر هذه الانتاجات إلا بعد مرور أكثر من سنتين على الحراك وعروج نحو 20 شهيدًا.
خروج الأحساء من معادلة الحراك: انطلقت انتفاضة الأحساء يوم الجمعة 4 مارس 2011 من مسجد أئمة البقيع في شرق الهفوف، واستمر الحراك حتى مطلع أغسطس مع اقدام السلطة على اعتقال الشيخ توفيق العامر، فذبلت شعلة الحراك حتى تلاشت نهائيًا، وقد سعت عدة قوى وقيادات في الحراك حثيثًا وبذلت جهدها لإعادة إحياء حراك الأحساء وتعزيزه وتقويته وتثبيت أركانه ولم تكلل جهودها بالنجاح، لعدة أسباب أهمها هيمنة التيار الديني التقليدي والنخبة التجارية على المشهد الإحسائي وإحكام قبضتها على المساجد والحسينيات وهي المنابر والوسائل الأهم والأكثر فاعلية في التأثير والتوجيه في الساحة الأحسائية.
ضعف ميزانية الحراك: حيث أن التشديد الأمني يتطلب اتخاذ العديد من التدابير الاحتياطية في وسائل الاتصال والإنترنت والأجهزة الذكية والمحمولة وأيضًا مصروفات الوسائل الإعلامية والميدانية واللوجستية، فضلًا عن تأمين معيشة المتفرغين للعمل، والمطاردين من قبل أجهزة السلطة، والمفصولين من أعمالهم، وعوائل المعتقلين والشهداء.
الشيعة.. أزمة الزعامة والتمثيل
تكشف عملية تشريح العلاقات السائدة في المجتمع الشيعي المحلي على الصعيدين الاجتماعي والسياسي حالة التشرذم والانقسام، ليس على مستوى النخب الفاعلة فحسب، بل يمكن الادعاء بأن التفكك لامس كافة البنى والمؤسسات الاجتماعية الأهلية، كبيرها وصغيرها، بصورة يُنذر استمرار استفحالها بمخاطر جمّة.. قد تقضي على المدى البعيد على أسس البنية والروابط الاجتماعية ما يهدد الوجود الشيعي في المنطقة برمّته.
فالمجتمع الشيعي لم يحظَ يوماً في عصرنا الراهن بكيانية قانونية ومؤسساتية تحتضنه وتبلور حاضره وتخطط مستقبل أجياله.. في العقود المنصرمة كانت قوة الروابط الداخلية تشكل حالة تماسك لصدّ التحديات ومجابهة المخاطر بشتى أصنافها ومصادرها رغم أية تحفظات قد ترد في السياق، إلا أنه ومع تطور الظروف السياسية، الاقتصادية، الثقافية، والحضارية.. محليًا ودوليًا وما رافقها استحدث السلطة السعودية لمخططات وسياسات استراتيجية بعيدة المدى تستهدف تقويض الكيانية الشيعية وتغيير ملامحها وسماتها وخصائصها التكوينية عقديا وثقافيا واجتماعيا، وما رافق ذلك من تصاعد واشتداد ممارسات التهميش والإقصاء والحرمان من علميات التنمية والتطوير في كافة المجالات، والإمعان في تنفيذ خطط الإهمال الرسمي، وتفعيل أدوات الحرب على الهوية الشيعية وتاريخ وتراث وذاكرة المنطقة ومعالمها العمرانية والجغرافية، للدفع بالمجتمع الشيعي نحو التأخر والتخلف بسدّ منافذ وفرص التطور والتنمية، كان ينبغي مواجهة كلّ ذلك بمشروع حماية يستحضر ويحشد كل عوامل التلاحم والتلاقي ويفعل أدوات التخطيط المشترك بين القوى والفعاليات الناشطة في المجتمع الشيعي، لتحصين البيت الداخلي وتأمين روابطه وعلاقاته بمختلف مستوياتها، ليكون مجتمعًا قادرًا على مواجهة ما يهدده من الأخطار، ومستعدًا ومستجيبًا لمتطلبات وأطروحات مشاريع التطوير والتغيير التي ينتجها حراك نخبته الدينية والثقافية والاجتماعية.
واقع المجتمع الشيعي في الأحساء والقطيف اليوم يتكون من جزر وأرخبيلات تتبادل القطيعة، سواء في الوسط الديني المحافظ حيث تبرز صراعات المدارس والمرجعيات (وهي في أغلبها صراعات مستوردة)، أو في وسط النخب السياسية والثقافية وحتى الرياضية والفنية أيضًا، ولا ينبغي الانخداع هنا بخطابات جوفاء تتشدق بالدعوة للوحدة تبرز في مناسبات ومحافل التكريم واللقاءات المفتوحة، وهي حقيقة تفتقد المصداقية والصدق مما يجرّدها من قوة التأثير على واقع ومجريات الحياة العامة، ويعطل فاعليتها وتأثيرها على الأداء العام للحراك المجتمعي، خصوصًا حين تصدر مثل هذه الخطابات من جهات تتحمل القسط الأكبر من مسؤولية الانقسام الداخلي، وغير بعيد عنا التحولات الدراماتيكية التي سبقت ورافقت وأعقبت الانتخابات البلدية عام 2005 وما أفرزته من فتن وخلافات ومواجهات خسر بسببها المجتمع الشيعي أكثر بكثير مما استفاد من نتائجها المحدودة والشكلية.. فيما اعتبرتها العصبيات الفئوية مغنمًا وانتصارًا.. لا ندري على مَنْ؟!
بل إن خسائر الطائفة في سلك القضاء وتهميش المحاكم الشيعية ثم إلغائها وتحويلها إلى مجرد “دائرة المواريث والأوقاف” في الأحساء والقطيف هو نتاج للتناحر الداخلي الذي يديره كبار القوم، والذين نُبرّزهم في المناسبات ونقدمهم على أنهم المطالبون بحقوق الطائفة والمدافعون عن حِماها، فخلافاتهم مسؤولة مباشرة عن منح السلطة الفرصة للتلاعب بحقوق الطائفة باستغلال مطامعهم وتنافسهم غير الشريف، ولعل الكثير منا لم ينسَ محاولة لملمة صفوف الشيعة في مجلس مؤسسي يمثل الطائفة أمام الداخل والخارج، وكيف وأدت أطماع الفئات والجماعات وتناحر الأقاليم وتقاسم الوجاهة، وأدت الجنين قبل أن تنعقد نطفته، وأفشلت المبادرة قبل أن تولد!
هناك أطراف شيعية عدة تنشط بمشاريعها ومبادراتها على أرض الواقع، لكنها تنطلق من مربعها الفئوي الضيق وشرنقتها الخانقة، وتستهدف مصالح ذاتية أو عائلية أو تيارية وأحيانا تتسع الدائرة لتصبح مصالح قرية أو بلدة أو مدينة دون اكتراث بالمصالح الجوهرية والكبرى للطائفة في عموم المنطقة، وقد يتم ذلك عبر استغلال عناوين فضفاضة تخصّ الطائفة كلّها، فبيننا رموز ورؤوس نخبوية ليست مستعدة لإنجاح حتى مبادراتها ومشاريعها فضلًا عن مشاريع ومبادرات الفئات الأخرى ما لم تتأكد لها مكاسبها وحصتها من المغانم! الأمر الذي يجعل المجتمع الشيعي على امتداد الرقعة الجغرافية في الأحساء والقطيف وبقضاياه المتشعبة وأزماته المعقدة مجرد مواد خام جاهزة للاستثمار، ويمكن التضحية بها على مذبح المصالح والمكتسبات لهذا الفريق أو ذلك التيار أو تلك العائلة أو البلدة!
والأدهى أن البعض لا يتوانى ولا يخجل من التصريح بأنه لا يمانع بل ويفترض أن من حقه وجماعته أن يربح شتى أنواع المغانم جاهًا أو مالًا أو نفوذًا يُوظف لخدمة الأغراض الشخصية، وذلك من خلال خدمته الاجتماعية العامة، ويعتبر ذلك أحد مصاديق الآية (والعاملين عليها) وبالتالي فهو يقبض أجر وزكاة جهده في السياق العام!
وهو المنطق نفسه الذي توهم من خلاله البعض أنه زعامة ورمز مفترض على الطائفة نظرًا لسنوات نشاطه في الحقل الاجتماعي والسياسي، بما يملك من كاريزما ومواصفات شخصية أهلته لتسنم منصب الزعامة والوجاهة، فيقدم نفسه في الداخل والخارج على أنه الممثل للطائفة.. في حين أنه يدرك ويعلم جيدًا في قرارة نفسه مستوى الانقسام حوله وعليه، كما يدرك أن رمزيته – دون إغفال ما يتمتع به من سمات شخصية – هي نتاج جهود وتضحيات قطاع واسع من أبناء المجتمع في الداخل والخارج امتدّ لسنوات طويلة من أعمارهم كلٌ شارك بمستوى معين وبطريقة مختلفة في صناعة تلك الزعامة وإبرازها للعالم، ومثل هذه المشكلة ملازمة لحالات تضخم وتغوّل الأنا الفردية على حساب المؤسسة الأم التي أنجبتهم، بما يسمح للفرد بالاستيلاء على المؤسسة واحتلال الصورة العامة!
نحن في الألفية الثالثة ولا يجوز أن تظلّ الطائفة أسيرة لمنطق القرون السالفة، فلا زعامة لشخص على مجتمع مهما ومَنْ كان لأن الفرد مهما أوتي من مواهب وقدرات سيظل عاجزًا عن قيادة مجتمع مترامي الأطراف له من المصالح والقضايا ما تنوء بحمله عصبة من أولي البأس الشديد، فضلاً عن المخاطر المحدقة بالزعامات الفردية من الأهواء، النفس الأمارة، الإغراءات، والضعف البشري، ناهيك عن خاتمة حياة الفرد بالموت الطبيعي أو بحادثة مقدرة مما يخلق فراغًا في المجتمع قد يفضي به إلى التشرذم والنزاعات، أو يسقطه في مستنقع التوريث الأسري وما إلى ذلك!
المجتمع الشيعي اليوم بحاجة أكثر من أي وقت آخر ليعمل على حماية مصالحه والدفاع عن قضاياه عبر العمل المؤسسي المقنن بما يضمن عدم تجيير طاقاته وسرقة جهوده لخدمة مصالح الفئات أو الأشخاص على حساب المجتمع والطائفة، فينبغي أن تتحول الزعامة إلى تمثيل مؤسسي له هيكلته وبنيته القانونية التي تحميه وتضمن استمراره وتطوره.
إن التخطيط لبناء مؤسسة عامة تُمثل الطائفة سيشكل مخرجًا حقيقيًا من حالة الاحتقان والانقسام والتشرذم التي تعصف بأطراف القوى والنخب الشيعية، غير أن العملية لها اشتراطات مسبقة أولها استعداد الفرقاء للتخلي عن أبراجهم وعصبياتهم الفئوية وعنصريتهم المناطقية والعائلية، لصالح التقارب والتلاقي والاتفاق على خارطة طريق وخطة إنقاذ هدفها الأول والأخير مصالح الطائفة ومستقبلها.
إخفاقات الزعماء.. حكاية تاريخ:
تاريخيا عرف المجتمع الشيعي في الأحساء والقطيف ومنذ بواكير نشأة الكيان السعودي بروز العديد من الوجاهات والزعامات الشيعية، وجاهات تقليدية استندت في أغلبها إلى مركز العائلة أو قداسة رجل الدين أو الثروة المالية والعقارية، وفي زمن لاحق استندت إلى ما تحظى به من علاقات ونفوذ ومكانة في قصور أمراء السلطة وأروقة الجهات الرسمية.. وبمراجعة دقيقة لتاريخ المجتمع الشيعي في الحقبة السعودية، وقراءة التحولات التي مرّ بها، نستطيع الجزم أن أياً من تلك الزعامات لم تستطع التقدم بالمجتمع إلى تطلعاته وطموحاته المشروعة.. وجلّ ما حققته بضع مراسلات دوّنت المطالب الهشّة والشكلية الدائرة في النطاقين العبادي والخدمي، وفي حالات أخرى تجرأت فتناولت أحوال القضاء..
هذا الإخفاق القديم والمستمر -الذي يعاد إنتاجه اليوم في حلل معصرنة في صالونات الوجهاء الجدد- ناتج أسباب وظروف متشابكة، بينها ما يتصل بطبيعة التركيبة الاجتماعية للطائفة وعلاقات التنافس والصراع بين طبقاتها وفئاتها المختلفة، يدخل في ذلك حقيقة أهداف تلك الزعامات وبواعث ودوافع نشاطها في الإطار الاجتماعي العام، وأيضًا مستوى نضجها وتفكيرها وطموحها إلى التغيير والبناء الحقيقي للكيانية الشيعية.. وبينها أسباب تتعلق بالظروف السياسية والديمغرافية في الكيان السعودي ومنطقة الخليج عمومًا وتركيبته وبناه المذهبية والقبلية ومدى امتلاك الأطراف الشيعية لأسباب القوة والتأثير على مصادر القرار السياسي.
ولقد أسهم التخلف الفكري والضحالة السياسية وسيطرة الرؤى المحافظة الداعية لمقاطعة السلطان وعدم الانخراط في العمل السياسي، في انعدام التطلعات السياسية لأبناء الطائفة وإضاعة الفرصة المصيرية الكبرى أبّان تفتت الإمبراطورية العثمانية ونشأة الحكم السعودي، تلك الفرصة التي كان من شأنها تغيير الخارطة الجيوسياسية وكتابة التاريخ على نحو مختلف يضمن لشيعة المنطقة حق السيادة في مناطقهم وحكمها وإدارة ثرواتها بأنفسهم.
فالزعامة الشيعية آنذاك لم تكن تتطلع لأكثر من الأمن والاستقرار المنحصر بحماية الحياة والممتلكات، وحرية التعبد وفق أيديولوجيا المذهب وشعائره وطقوسه، والاكتفاء من العيش بحدّ الكفاف وقد تمكنّت من ذلك إلى حدٍ ما، نظرا لاتساق مطالبها المحدودة والرخوة مع حاجة الدولة الناشئة لاستتباب الأمن وبسط السيطرة وإخماد بؤر التوتر، لكنها تلك الزعامات غفلت عن أن الحق في الأمن والحرية وحفظ الحقوق لا تُصان ولا تضمن دون عوامل الحماية والقوة والتمكن السياسي.
لم يكن زعماء الشيعة آنذاك بمجملهم يستهدفون الشراكة في بناء الدولة وإدارتها، كمواطنين على قدم المساواة مع أقرانهم في مناطق الحكم السعودي، ولم تتبلور لدى الطائفة أية تطلعات سياسية، كما لم تحظَ الفعاليات الشيعية آنذاك بوعي يتيح لها بلورة أية مطالب ترفعها إلى مستوى الشراكة الوطنية الكاملة والعادلة.. وهذا لا ينفي وجود زعيم أو أكثر كالشهيد عبدالحسين بن جمعة كان له من الوعي والنضج ما دفعه لمحاولة ضمان مستقبل الطائفة السياسي، ولكن جهل بقية الزعماء وضيق أفقهم وأنانيتهم دفعتهم لخذلانه -حتى لا أقول للتآمر ضده وعليه- فدفع حياته ثمنا لطموحاته وتطلعاته السياسية.
وما سبق لا ينفي انخراط ومساهمات بعض أفراد المجتمع الشيعي في التشكيلات السياسية منذ خمسينيات القرن الماضي، غير أنه انخراط بمثابة عملية بحث عن منافذ تغيير وإصلاح شؤون البلاد عمومًا ضمن الأطر المتاحة بمختلف أيديولوجياتها اليسارية والقومية والبعثية، ولم يكن تطلعًا معنيًا بقضايا وشؤون وأزمات ومستقبل الشيعة على وجه الخصوص.. وبالتالي لم يمتلك أية برامج لإخراج المناطق الشيعية من نكبتها المستمرة حتى اليوم!
بروز الوجهاء الجدد:
في العقود الأخيرة تبلورت لدينا؛ إلى جانب الورثة التاريخيين للوجاهة التقليدية؛ زعامات من نوع آخر، هي نتاج الحراك والنضال السياسي المتأخر في العقدين الأخيرين من القرن العشرين لمختلف فئات وشرائح المجتمع الفاعلة والناشطة، وهي على قدر كبير من النضج والخبرة والكفاءة، نظرًا لعمق وشمولية التجربة النضالية التي خاضها الشيعة في أعقاب انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ومشاركة قطاعات واسعة من المجتمع في بناء ودعم حركة سياسية جهادية ثقافية وتربوية، ساعدتها ظروف ومناخات الثمانينيات في استثمار موارد وطاقات الطائفة، وتحصيل دعم دولي متعدد المصادر بناء على استغلال تناقضات العلاقات السياسية في المنطقة والعالم، وتجيير ذلك كلّه في بناء كيان الحركة، التي كان يُراد لها تمثيل مصالح الطائفة والانتصار لقضاياها الوطنية العادلة والإنسانية.. والمجتمع الذي دفع أثمانًا غالية، من دماء أبنائه وعذاباتهم في السجون، ومن آلامهم وغربتهم في المنافي، ومن أمواله ورفاهيته وطمأنينته، لإنجاح عملية بناء الحركة ولرفدها بإمكانات الصمود والتطور، هذا المجتمع هو المالك الحقيقي لكلِ تلك الكفاءات والقدرات بمختلف مستوياتها التي تبلورت في أحضان الحركة، وليس لأحد مهما كانت رجاحته وفطنته أن يدعي أنه صنع ذاته بذاته، بل صنعته حركة المجتمع الذي انطلق منه وعاد إليه.. بل الثابت قطعيًا أن الأشدّ ذكاء والأكثر نفوذًا والأسبق انتماء منحته صلاحياته وموقعه القيادي أوسع مدى لاستثمار موارد وطاقات المجتمع عبر قنوات الحركة المختلفة، وذلك كلّه انعكس على شخصيته العامة التي منحته الكاريزما ومن ثم الرمزية والزعامة!
:ومع انفراط عقد الحركة مطلع التسعينيات (وتناثر حبات سبحتها الطويلة) طُويت صفحة التطلعات الوطنية للشيعة في صيغتها السياسية المنظمة ضمن برامج العمل المخطط، لتتحول إلى مجرد مطالب وتسولات خجولة، يقتنص وارثو التركة الحركية، المناسبات لمقاربتها ببضع كلمات لا تملك تأثيرًا ولا حولا ولا قوة، في محضر هذا المسؤول أو ذاك، وتستهلك إعلاميًا للترويج لأصحابها!
زعامات تقبض ثمن خدماتها سلفًا:
إن وجهاء وزعماء الشيعة في الأحساء والقطيف ماضيًا وحاضرًا لم ينجحوا في الارتقاء بمستوى الطائفة، ولم يحققوا شيئا من تطلعاتها المشروعة، وإن أسهم بعضهم في حلحلة بضعة مسائل عالقة في النواحي الخدمية -كما أشار لذلك الدكتور حمزة الحسن في كتابه العمل المطلبي- فعمليا هم قايضوا خدماتهم العامة بالمكانة والتبجيل والإجلال وربما أكثر من ذلك، إذ فرضوا على المجتمع، بسلوكهم المباشر وغير المباشر، أن يمنحهم الشكر والتصفيق بألوانه، فتربحوا وتكسبوا على حساب مستقبل ومصير الطائفة.
النتيجة أن زعماء الشيعة، الأموات منهم والأحياء، لم يُسهموا في تطوير كيان الطائفة وبناء كيانيتها السياسية، ولم يجلبوا لمجتمعهم أية مصالح ومكاسب ذات اعتبار حقيقي، بل لم يجنِ المجتمع من وراء زعامتهم معشار ما كسبوا هم على حساب مجتمعهم ومصالحه. وعليه يحق لمجتمعهم محاصرتهم بالسؤال المشروع.. لماذا حصل ذلك؟ وكيف؟ ومقابل ماذا نمنحكم حق تمثيل الطائفة؟ فما هو تصوركم ورؤيتكم لمستقبل الطائفة؟ وما هي خططكم وبرامجكم لتحقيق ذلك؟
الزعامة.. مشروعية الوجود:
يفترض أن زعماء الحاضر على قدر من الوعي الحقوقي والسياسي والقانوني ليدركوا أن أية عملية تمثيل للغير لا تكتسب مشروعيتها إلا بموجب التعاقد وفق آلية قانونية، أو وفق ميثاق دستوري تقره الأكثرية، ومَنْ يتصدى لمنصب الزعامة يجب أن يوصله إليها اختيار المجتمع عبر وسائل الترشيح والانتخاب، أو التصدي للمسؤولية بوعي واقتدار يمكنهم من إنجاز الأهداف والتطلعات ومراكمة المكتسبات ما يدفع المجتمع للرضا عنهم والقبول بهم والتسليم لهم، وليس الزعيم مَنْ تفرضه الظروف أو تدفعه للواجهة وراثة الولد لأبيه أو الأخ لأخيه، دون استناد لمصالح أبناء المجتمع.. ودعونا من حكاية التصدي في وقت الفراغ فما عادت تُصرف في زمن تتزاحم فيه الغوائل والمخاطر والتهديدات والتحديات المحدقة بمصير ومستقبل الطائفة.
والسؤال الجوهري إلى ماذا تستند الزعامات الراهنة في ادعائها تمثيل الطائفة؟ وكيف خولوا لأنفسهم صلاحية الترافع والتحدث باسمها؟ وما هو مستوى تمثيلهم لمصالحها وتطلعاتها؟ ثم.. ماذا تمثل هذه الزعامات من قضايا الشيعة بالتحديد؟ وما هي أهدافهم الراهنة والمستقبلية؟ ووفق أية برامج وعبر أية وسائل سيتم تحقيقها؟ وما موقع أنشطتهم وبرامجهم من الحاجات الفعلية للمجتمع الشيعي؟ فمَنْ يدعي قيادة المجتمع وزعامته عليه أن يمتلك مشروع خلاص وخطة إنقاذ لهذه الطائفة من ذلِ العيش ومهانة الحياة ومصادرة الحقوق والثروات والتعدي المستمر على عقائد وهوية وتاريخ وثقافة الطائفة، وإلا فحري به أن ينزوي في بيته أو صالونه لينكبّ على دفاتره ومحابره، أو يعتكف في محراب صلاته، أو يتربع على كرسي مكتبه ليدير مصالح تجارته واستثماراته في ماله المكتسب بجهده.. فما عادت الوراثة أو الثروة أو المشيخة الدينية معايير صالحة لتسنّم الزعامة!
مجلس الطائفة.. الممثل الشرعي:
في الخلاصة.. مخرج الشيعة من أزمة التمثيل يحتم إقرار مشروع بناء مؤسسة قانونية تُمثل وتدير شؤون الطائفة، وتخضع لنظام إدارة، يأخذ بمعطيات العلم الحديث، في الانتخاب والرقابة والمحاسبة.. فإذا كان الآخرون يجمع شملهم نظام القبيلة وأعرافها، فنحن سيجمعنا مجلس إداري ولن يهمنا أن ينعته الآخرون بالطائفية، كما وصم بعضهم المشروع بأنه تكريس للطائفية خلال الاجتماع التأسيسي (المفترض) الذي انعقد عام2003، إذ لا يُراد لهذه المؤسسة أن تقف ضد أحد من الطوائف والمذاهب الأخرى، بل أن تسهر وتحمي مصالح الشيعة في وطنهم الذي ما زال يصرّ على نكران انتمائهم له والتنكر لحقوقهم وقضاياهم ويرفض شراكتهم في إدارة شؤونه!
وأزعم أن العقبة الأولى أمام ولادة هذه المؤسسة ليست أنظمة البلاد ولا ظروفها الأمنية والسياسية، بل مصالح الزعامات المفترضة الذين يتسيدون صدارة الطائفة ويَدّعون تمثيلها ويتحدثون باسمها، العقبة هي حساباتهم لمعدلات أرباحهم وخسائرهم كأفراد أو كفئات.. فإذا لم يتجاوزوا مصالح العوائل والمدن وشللية الفئات الضيقة إلى رحاب مصالح الطائفة وقضاياها الكبرى والمصيرية، فلن نبرح أزقة الصراع والمعارك على الاستحقاقات التاريخية لهذه الأسرة أو تلك الفئة أو هذه المدينة وربما القرية أيضاً.. فمثل هذه الأسباب المخجلة هي التي وأدت محاولة لملمة شتات الطائفة قبل سنوات مضت، والمعنيون يذكرون ويدركون الحقيقة جيدًا!
إن انبثاق المؤسسة الجامعة للطائفة من شأنه أن يضمن حقوق ومصالح الجميع، ومن شأنه أن ينظم آليات وصول الأصلح فالأصلح لرئاسة إدارة المؤسسة بمعية جهاز إداري متكامل بعيدًا عن إدارة القطب الأوحد وتفرده بالرأي، وبموجب مواد النظام الداخلي للمؤسسة وليس حسب الاجتهاد الشخصي أو ما تمليه مصالح الانتماءات الأسرية أو الحزبية أو المناطقية.
وفي ظل المتغيرات السياسية والأمنية الإقليمية والمحلية تحضر مجددًا اللحظة التاريخية والفرصة المصيرية السانحة لتغيير واقع الطائفة وضمان مستقبلها، ولكن ذلك يتطلب يقظة وإدراك دقيق وذكي يلتقط نبض المرحلة واتجاهاتها، كما يتطلب استجابة جماعية من رجالات الشيعة للاحتياجات التي تمليها تحديات اللحظة الراهنة، وأن يتجاوز الجميع عن الماضي بكل أثقاله وحمولته ويتخلى عن مصالحه وانتماءاته الضيقة، لمصلحة دائرة الانتماء الأوسع للطائفة والمجتمع لنعيد معًا رسم خارطة منطقتنا جغرافيا وسياسيا علنا نسجل بذلك لمجتمعنا أولى انتصاراته ومكتسباته التاريخية.. إنها لحظة التشوف للغد الأفضل.





