ثمانية عقود – التعاون العسكري بين السعودية وأمريكا

مروة عبدالله
علاقات التعاون العسكري بين السعودية والولايات المتحدة تمتد لأكثر من ثمانية عقود. في 14 فبراير 1945، التقى الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت على متن سفينة كوينسي الأمريكية في قناة السويس، وهو الاجتماع الذي شكل أساس الشراكات الطويلة بين البلدين. وفي العام نفسه، تمّ توقيع اتفاقية بناء قاعدة الظهران الجوية لمدة ثلاث سنوات تم تجديدها لاحقًا، مما ساهم في تطوير الخطوط الجوية السعودية وتطوير الطائرات الحربية والمؤسسات العسكرية الأخرى.
في عام 1953، وقع البلدان اتفاقية المساعدة الدفاعية المتبادلة، وتوسعت العلاقات بشكل كبير خلال الحرب الباردة، حيث عدّت السعودية موردًا مهمًا للبترول بينما قدمت الولايات المتحدة الدعم الأمني والعسكري. وفي عام 1957، زار الملك سعود الولايات المتحدة وأبرم اتفاقًا لتعزيز القوات المسلحة السعودية. وفي السنوات التالية، واصل التعاون والتطوير، بما في ذلك زيارات قيادية وتوقيع اتفاقيات مختلفة.
1ـ اتفاقية المساعدة الدفاعية المتبادلة
في 1953، وقعّت السعودية والولايات المتحدة اتفاقية المساعدة الدفاعية المتبادلة، والتي كانت حجر الزاوية في علاقاتهما العسكرية. نصّت الاتفاقية على:
ـ تقديم الولايات المتحدة المشورة العسكرية والتدريب للقوات السعودية.
ـ تزويد السعودية بالأسلحة والمعدات الدفاعية.
ـ تعزيز التعاون في مجال الأمن الإقليمي، خصوصًا في مواجهة أي تهديدات محتملة من القوى الإقليمية أو الدولية خلال فترة الحرب الباردة.
هذا الترتيب عكس إدراك الطرفين لأهمية الموقع الجغرافي للسعودية ومواردها النفطية، مقابل خبرة الولايات المتحدة العسكرية والتقنية.
2 ـ توسيع العلاقات خلال الحرب الباردة
في الفترة من منتصف الخمسينيات إلى أوائل الستينيات أصبحت السعودية مصدرًا رئيسيًا للبترول للولايات المتحدة وأوروبا، ما جعلها عنصرًا استراتيجيًا في الاقتصاد العالمي. في المقابل، قدمت الولايات المتحدة دعمًا أمنيًا متزايدًا، بما في ذلك:
ـ تدريب ضباط القوات المسلحة السعودية.
ـ توفير أسلحة متقدمة وطائرات حديثة.
ـ استشارات تقنية وبنية تحتية للجيش.
على الصعيد السياسي، دعمت واشنطن السعودية في مواجهة النفوذ السوفياتي المتنامي في المنطقة، خصوصًا في مصر وسوريا واليمن.
3 ـ زيارة الملك سعود للولايات المتحدة
في سنة 1957، قام الملك سعود بأول زيارة رسمية له إلى الولايات المتحدة، وأُبرم خلالها اتفاقًا لتعزيز القوات المسلحة السعودية. وكان أبرز ما جاء في هذه الزيارة:
ـ توقيع اتفاقيات لتوريد الأسلحة والمعدات العسكرية الحديثة.
ـ الاتفاق على إرسال مستشارين أمريكيين لتدريب الجيش السعودي.
ـ مناقشة التعاون في مجال الأمن البحري والجوي، بما في ذلك حماية الممرات النفطية والاستراتيجية.
4 ـ التعاون المستمر بعد 1957
شهدت السنوات اللاحقة تعاونًا عسكريًا ودبلوماسيًا بين البلدين شملت:
ـ زيارات قيادية متبادلة: وزراء دفاع وأمراء الجيش الأمريكي زاروا السعودية لتقديم المشورة وتقييم القدرات العسكرية.
ـ توقيع اتفاقيات متعددة شملت:
ـ تطوير القواعد العسكرية السعودية.
ـ إنشاء مدارس عسكرية وجوية لتدريب ضباط سعوديين.
ـ برامج تبادل للمعلومات الاستخباراتية والتقنيات الدفاعية.
ـ دور مستشاري الولايات المتحدة العسكريين الذين ساعدوا في وضع خطط تدريبية طويلة الأمد، وتقديم توصيات لتحديث الجيش والقوات الجوية.
5 ـ الأثر الاستراتيجي للعلاقات
أصبحت السعودية عنصرًا محوريًا في الاستراتيجية الأمريكية في منطقة غرب آسيا، خصوصًا من منظور تأمين النفط وحماية طرق الشحن الدولية. كما مهّدت العلاقات العسكرية الطريق لاحقًا لإقامة قواعد أمريكية على الأراضي السعودية بعد الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988)، وخاصة في الثمانينيات والتسعينيات.
وقد استفادت الولايات المتحدة من السعودية كمركز للتنسيق مع الحلفاء العرب ضد أي تهديد سوفيياتي محتمل، مما عزز موقع السعودية كدولة وظيفية تعمل ضمن استراتيجية الولايات المتحدة في الإقليم.
رزونامة التعاون العسكري بين الرياض وواشنطن
ـ في العام 1955 تم إرسال أول مستشارين عسكريين أمريكيين للرياض، بهدف تقديم المشورة حول تنظيم الجيش السعودي، ووضع خطط تدريبية للقوات البرية والجوية، وتعزيز القدرات الدفاعية السعودية، وبناء جسور التعاون العسكري المستمر.
ـ في العام 1956 تم توريد أول دفعة أسلحة حديثة (مدفعية ومعدات اتصالات) وتحديث المعدات العسكرية للقوات السعودية وكانت بداية الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية الحديثة.
ـ في العام 1957 زار الملك سعود (1952 ـ 1964) الولايات المتحدة، ووقّع اتفاقًا مع الجانب الاميركي لتطوير القوات المسلحة، وشمل اتفاقًا على تدريب الطيارين السعوديين في الولايات المتحدة، وتوريد طائرات حديثة للقوات الجوية، وتعزيز القوة الجوية والقدرات الدفاعية، تعزيز العلاقات الدبلوماسية والرؤية الاستراتيجية المشتركة ضد النفوذ السوفيياتي.
ـ في العام 1958 تمّ إرسال ضباط سعوديين للتدريب في الولايات المتحدة، وتنظيم برامج تدريبية على القيادة والعمليات العسكرية بهدف رفع مستوى كفاءة القيادة العسكرية السعودية، و أساليب التدريب والتكتيك.
ـ في العام 1959 زار وزير الدفاع الاميركي نييل ماكلروي السعودية واطلّع على القدرات السعودية، وقدّم استشارات حول تحديث الجيش وتوثيق العلاقات العسكرية، وبدء تخطيط طويل الأمد لتطوير البنية التحتية الدفاعية.
ـ في العام 1960، تمّ توقيع اتفاقيات لتوسيع التعاون الجوي، وتوريد مقاتلات إضافية، وتطوير قواعد جوية سعودية، وتعزيز القدرات الدفاعية الجوية وحماية الممرات النفطية.
ـ في العام 1962، تمّ إرسال فريق تقني أمريكي لدراسة البنية التحتية العسكرية، وتقديم توصيات لتحديث القواعد والمدارس العسكرية، وتحسين كفاءة العمليات العسكرية، ورفع مستوى التنسيق مع الجيش الأمريكي.
ـ في العام 1965 جرى توقيع اتفاقية تبادل معلومات عسكرية، وتبادل تقنيات الاتصال والاستخبارات، وتعزيز القدرة على مراقبة التهديدات الإقليمية، ورفع مستوى الجاهزية العسكرية.
ـ في العام 1967، نظّمت وزارة الدفاع الأميركية زيارة قيادية بعد حرب يونيو على مصر، وتقييم القدرات الدفاعية السعودية في ظل التوتر الإقليمي والتهيئة لمواجهة أية أزمات إقليمية مستقبلية، وتعزيز العلاقات الدفاعية الاستراتيجية.
ـ في العام 1969، جرى الاتفاق على توسيع برامج التدريب العسكري، كما أرسلت دفعات إضافية من الضباط للتدريب في أمريكا، وتحديث الخطط الدفاعية السعودية وتعزيز الهيكلية العسكرية وتوطيد الاعتماد على الدعم الأمريكي في التخطيط والتدريب.
تظهر هذه المعطيات على مدى سنوات، كيف تطوّرت العلاقات من مجرد اتفاقية دفاعية أولية إلى شراكة استراتيجية واسعة تشمل التدريب، المعدات، تبادل المعلومات، وبناء القدرات الدفاعية والقواعد العسكرية والحضور العسكري الفاعل للقوات الاميركية في السعودية.
خلال حرب الخليج الثانية في عام 1991، وصل عدد القوات الأمريكية في السعودية إلى ذروتها بحوالي 550 ألف جندي ضمن تحالف دولي، حيث استخدموا القواعد السعودية كمنصة لحرب “عاصفة الصحراء” لتحرير الكويت من احتلال قوات صدام حسين. بعد الحرب، بقيت فرق عسكرية تابعة للقوات الأمريكية في السعودية لاحتواء صدام.
ولكن في عام 2003، نشرت وسائل الاعلام السعودية والاميركية خبر نقل الولايات المتحدة معظم قواعدها والمعدات إلى قطر وكانت الذريعة هي ” المعارضات المحلية للوجود الأمريكي في المملكة”. ولكن السردية التي رافقت نقل الثقل العسكري الأميركي من السعودية إلى قطر تنطوي على تبسيط سياسي لعملية أكثر تعقيدًا بكثير. ولفهم ما حدث بدقة، يجب تفكيك ثلاثة مستويات: السياسي، العسكري ـ العملياتي، والاستراتيجي طويل المدى.
أولًا: العامل السياسي ـ صحيح جزئيًا لكنه ليس الحاسم
بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، أصبحت مسألة الوجود العسكري الأميركي في السعودية حساسة للغاية داخليًا وإقليميًا:
ـ وجود قوات غير مسلمة في “أرض الحرمين” كان أحد أبرز مبررات زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في خطابه.
ـ الحكومة السعودية واجهت ضغطًا شعبيًا ودينيًا متزايدًا.
ـ الولايات المتحدة نفسها بدأت ترى أن هذا الوجود يؤجج التوتر بدل أن يخففه.
لكن هذا العامل كان دافعًا لتقليل الظهور العسكري، وليس سببًا تقنيًا لنقل البنية العسكرية بالكامل.
ثانيًا: العامل العملياتي ـ قلب القصة
قبل 2003، كانت السعودية تستضيف منشآت مثل: قاعدة الأمير سلطان الجوية في الخرج، لكن هذه القواعد كانت تعمل ضمن قيود سياسية على استخدام القواعد (خصوصًا في العمليات الهجومية)، والحاجة لموافقات سعودية في بعض الحالات، والحساسية الظاهرية لاستخدام الأراضي السعودية لضرب دول إسلامية. ولكن مع التحضير لغزو حرب العراق 2003، احتاجت القيادة المركزية الأمريكية إلى:
ـ حرية عمليات كاملة.
ـ مركز قيادة يمكنه إدارة الحرب دون قيود سياسية
وقد وفرّت السعودية تسهيلات واسعة للقوات الاميركية لشن هجومها على العراق
ويذكر كتاب (خطة الهجوم) للصحافي الاستقصائي بوب وودوورد النقاشات الدبلوماسية والسياسية بين واشنطن والرياض في مرحلة ما قبل الغزو. ويشير وودوورد إلى أن الرئيس جورج دبليو بوش وقيادات من إدارته (من بينهم وزير الدفاع دونالد رمسفيلد ونائب الرئيس ديك تشيني) أطلعوا السفير السعودي الأمير بندر بن سلطان على الخطط العسكرية (خطة الهجوم) قبل إبلاغ وزير الخارجية الأميركي كولين باول، وأنهم عرضوا عليه خريطة سرية توضح كيفية تنفيذ الغزو. الرواية تقول إن رمسفيلد أخبر الأمير بندر أن الغزو كان سيحدث بالتأكيد، ما يعطي انطباعًا بأن الرياض كانت على علم مسبق بنوايا واشنطن حتى لو كانت الرسائل الرسمية الأميركية ما زالت تتبلور.
ويذكر الكتاب (ومن تحليلات مرتبطة به) أن الأمير بندر لعب دورًا في الاتصال مع قادة دول أخرى (مثل الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس المصري حسني مبارك) قبيل أشهر من الحرب، وذلك بهدف مناقشة مواقفهم أو محاولة تليينها تجاه الموقف الأميركي. ونقل بندر معلومات وتقارير استخبارية أو سياسية من تلك العواصم إلى واشنطن كان جزءًا من دور الوساطة والدبلوماسية السعودية في تلك الفترة.
ومع أن الكتاب نفسه لا يذكر أن الولايات المتحدة كانت تستخدم قواعد سعودية كمنصات رئيسية للتحضير لغزو العراق عام 2003، وان التركيز كان منصبًا على الخيارات السياسية والاستراتيجيات الدبلوماسية بين الإدارات، على عكس ما حدث في حرب الخليج الأولى (1991) حيث سمحت السعودية باستخدام قواعدها الجوية ـ مثل قاعدة الملك خالد العسكرية ووجود أميركية على أراضيها ـ فإن قواعد عسكرية سعودية تحوّلت الى منصات لوجستية في الحرب الاميركية على العراق في ابريل 2003، فإن القواعد السعودية لعبت دورًا لوجستيًا محوريًا.
وفي أغسطس 2025، انضمت السعودية رسميًا إلى برنامج الشراكة بين الدول التابع لمكتب الحرس الوطني التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، حيث يتدرب جنود الحرس الوطني في ولايتي إنديانا وأوكلاهوما مع نظيرهم في القوات المسلحة السعودية لتعزيز الاستعداد الجماعي. كما عقد البلدان في يوليو 2025 اجتماعًا للحلقة التاسعة للجنة التخطيط المشتركة الاستراتيجية، حيث أكدتا التزامها بتعزيز الشراكة الدفاعية الثنائية.
ويبرز سؤال حول إلتزام السعودية بالقواعد العسكرية، وهل ثمة إمكانية انسحاب من تلك القواعد. إن مثل هذا القرار يعتمد على مجموعتين متنافرتين من العوامل وهما:
1ـ مجموعة العوامل المؤيدة للاستمرار
أ ـ الاستقرار الإقليمي: لا تزال السعودية تتعامل مع تحديات أمنية مختلفة في المنطقة، مثل التهديدات المتعلقة بالتمرد العائلي الداخلي حيث لا تزال هناك أجنحة ناقمة على انقلاب محمد بن سلمان على خط التوارث بالاطاحة بولي العهد الأول مقرن بن عبد العزيز وولي العهد الثاني محمد بن نايف، إضافىة إلى الخشية من عودة القاعدة وداعش للعمل في هذه المنطقة إلى جانب الصراعات الاقليمية واضطراب الاقليم. ويرى النظام السعودي بأن وجود القوات الأمريكية يساهم في تأمين مستقبل محمد بن سلمان في العرش، والدفاع عن مصالح السعودية في المنطقة.
ب ـ التعاون العسكري والتجاري: تُعد الولايات المتحدة أكبر مصدر للأسلحة والخدمات العسكرية للصعودية، حيث يبلغ حجم مبيعات الأسلحة الأمريكية للملكة حوالي 140 مليار دولار. كما يشمل التعاون مجالات مثل التدريب والتطوير التكنولوجي، مما يساهم في تطوير قدرات القوات المسلحة السعودية. بالإضافة إلى ذلك، تؤثر العلاقات العسكرية على العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
ج ـ التعاون الإقليمي: يمكن أن يساهم التعاون مع الولايات المتحدة في تعزيز التعاون بين السعودية وأطراف أخرى في المنطقة، مثل الكيان الاسرائيلي، في حال تحقق اتفاق التطبيع. كما يشير تقرير من المجلس الأطلسي أن التطبيع يمكن أن يؤدي إلى إنشاء هيكل أمني جديد في المنطقة يعتمد على التعاون بين السعودية وإسرائيل والولايات المتحدة.
2 ـ مجموعة العوامل المؤيدة للانسحاب
1ـ الرأي العام المحلي: يعد الوجود الأمريكي في السعودية موضوعًا حساسًا نظرًا لأهمية الجزيرة العربية كحاضنة للحرمين الشريفين. فقد أدى الوجود الطويل الأمد في الماضي إلى إثارة المعارضات وتغذية التطرف. كما يشير بحث من معهد الدراسات الدولية أن الأداء السعودي في الحرب اليمنية وقضية جمال خاشقجي أثار نقاشًا حول العلاقة مع الولايات المتحدة في الرأي العام السعودي والدولي.
ب ـ التحولات الإقليمية والدولية: كامن المنطقة قبل الحرب الاميركية الاسرائيلية على ايران قد شهدت تحولات كبيرة، بما في ذلك تحسن العلاقات بين السعودية وإيران، وتوسع دور الدول الأخرى مثل الصين وروسيا في المنطقة. وقد سعت السعودية إلى تعديل سياساتها الأمنية لتتكيف مع هذه التحولات وتعزيز استقلاليتها في صنع القرار. كما يشير تقرير من معهد جنيف للدراسات العليا أن دول مجلس التعاون الخليجي تتجه نحو تحقيق سياسات أمنية أكثر استقلالية.
ج ـ تنمية القدرات العسكرية المحلية: تسعى السعودية في إطار رؤية 2030 إلى تطوير الصناعة العسكرية المحلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الأسلحة والخدمات العسكرية. إذا نجحت في تحقيق هذه الأهداف، فقد تقلل من الاعتماد على القوات الأجنبية. كما تشير تقارير أن السعودية أنفقت حوالي 69 مليار دولار على الدفاع في عام 2023، وتعمل على تطوير قدراتها في مجالات مثل الطائرات بدون طيار والدفاع الصاروخي.
القواعد والآفاق المستقبلية
تعد علاقات التعاون العسكري بين السعودية والولايات المتحدة من أهم العلاقات الاستراتيجية في منطقة غرب آسيا، وتمتد لأكثر من ثمانية عقود. بدأت هذه العلاقات على أساس التكافؤ في المصالح، حيث كانت السعودية تمثل مصدرًا هامًا للبترول، بينما كانت الولايات المتحدة توفر الدعم الأمني والعسكري. عبر السنوات، شكلت هذه الشراكة أساسًا لحفظ المصالح الاميركية واستقرار النظام السعودي، كما كانت أيضًا موضع مناقشة بسبب التحديات السياسية والإقليمية المتغيرة. ونهدف هنا إلى تتبع تاريخ التعاون، وتحليل الحالة الحالية للقواعد العسكرية الأميركية في السعودية، وتقييم إمكانية تغيير الوضع في المستقبل.
وقد بدأ التعاون العسكري بين البلدين في سياق العلاقات الاقتصادية التي نشأت مع اكتشاف النفط في السعودية في عام 1938. في 14 فبراير 1945، اجتمع الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن سفينة كوينسي الأمريكية في قناة السويس، حيث نوقشت المصالح الثنائية، بما في ذلك التعاون في مجال الأمن والدفاع. وفي نفس العام، تم توقيع اتفاقية لبناء قاعدة الظهران الجوية لمدة ثلاث سنوات، والتي تم تجديدها لاحقًا، وأصبحت هذه القاعدة نقطة انطلاق لتطوير القوات الجوية السعودية وتدريب موظفيها.
السعودية الوظيفية في الحرب الباردة
في عام 1951، وقع البلدان اتفاقية المساعدة الدفاعية المتبادلة، والتي ربطت تأجير قاعدة الظهران بتوفير التدريب العسكري الأمريكي والمعدات. في السنوات التالية، شهد التعاون تطورًا، خاصة خلال الحرب الباردة، حيث عدّت الولايات المتحدة السعودية حليفًا مهمًا في منطقة غرب آسيا لمواجهة الاتحاد السوفيياتي. في عام 1957، زار الملك سعود الولايات المتحدة وأبرم اتفاقًا لتعزيز القوات المسلحة السعودية. وفي الثمانينيات، تعاون البلدان لدعم المجاهدين الأفغان ضد الغزو السوفييتي.
وقد بلغت قمة وجود القوات الأمريكية في السعودية خلال حرب الخليج الأولى في عام 1991، حيث وصل عدد قوات التحالف إلى حوالي 550 ألف جندي، واستخدموا القواعد السعودية كمنصة لدفع قوات صدام حسين من الكويت. بعد الحرب، وعد الرئيس جورج بوش الأب الملك فهد بسحب القوات بمجرد انتهاء المهمة، ولكن تحولت الحرب إلى حملة لاحتواء صدام، وبقي حوالي 5000 جندي أمريكي في السعودية. ومع ذلك، تسبب الوجود الأمريكي الطويل الأمد في إثارة المعارضات المحلية، واعتُبر من المطالب الرئيسية لأسامة بن لادن وغيره. في عام 2003، نقلت الولايات المتحدة معظم قواتها ومعداتها إلى قطر بسبب هذه المعارضات.
ما بعد الحرب الباردة (2003-2026)
على الرغم من نقل معظم القوات، واصل التعاون العسكري بين البلدين. وفي أغسطس 2025، انضمت السعودية رسميًا إلى برنامج تدريب جنود الحرس الوطني السعودي مع نظيرهم الأمريكي في ولايتي إنديانا وأوكلاهوما. كما عقد البلدان في يوليو 2025 اجتماعًا للحلقة التاسعة للجنة التخطيط المشتركة الاستراتيجية، حيث أكدتا التزامها بتعزيز الشراكة الدفاعية. وفي مايو 2025، قامت القوات البحرية الأمريكية والسعودية بتنفيذ تدريب مشترك باسم “مدافع البحار” تركز على الأمن البحري والتخلص من الذخائر المنفجرة.
ويشير تحليل من المعهد الأمريكي للبحوث العسكرية أن التعاون يشمل أيضًا تدريبات متعددة الأطراف مثل “العلم الأحمر” في الولايات المتحدة و”عزم النسر” في دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى تدريبات تركز على تقنيات ناشئة مثل مواجهة الطائرات بدون طيار.
القواعد في الماضي
في الماضي، كانت هناك عدة قواعد عسكرية أمريكية رئيسية في السعودية، بما في ذلك:
ـ قاعدة الأمير سلطان الجوية: كانت تعد أهم قاعدة لقيادة القوات الجوية الأمريكية في المنطقة، واستخدمت في عمليات التحالف خلال حرب الخليج الأولى.
ـ قاعدة الظهران: كانت أول قاعدة أمريكية في السعودية، وأصبحت مركزًا لدعم العمليات العسكرية والتمويل للمشاريع الإنشائية العسكرية السعودية.
ـ قاعدة تبوك والغربية وخميس مشيط: استخدمت هذه القواعد للعمليات الجوية والتدريب.
كما ساهمت دائرة المهندسين العسكريين الأمريكية في بناء تكوينات عسكرية كبيرة في السعودية، مثل مدينة الملك خالد العسكرية، التي كانت أكبر مشروع إنشاء عسكري في تاريخ الدائرة، وتكلفت حوالي 8.5 مليارات دولار. كما شملت مشاريع الدائرة بناء معسكرات، مطارات، موانئ، ومستشفيات عسكرية.
الحالة الحالية
بعد عام 2003، تشيع الاوساط السعودية بأن الوجود العسكري للولايات المتحدة في بلادهم محدودًا، وتتمثل الأنشطة بشكل رئيسي في تدريب القوات السعودية وتوفير الدعم الفني. وفقًا لتقارير حديثة، تُستخدم قاعدة الأمير سلطان الجوية لعمليات الدفاع الجوي والعمليات الإقليمية، بالإضافة إلى استخدام بعض المرافق الأخرى لنقل المعدات أو التدريب المشترك. وفي فبراير 2026، أكدت تقارير أن القاعدة لا تزال تحتوي على قوات أمريكية وتُستخدم لدعم العمليات في المنطقة، ولكن دون وجود قوات دائمة بكميات كبيرة. كما أعلنت السعودية في يناير 2026 أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لأي إجراءات عسكرية ضد إيران. ولكن تبين لاحقًا أن هنا أعدادًا وازنة من القوات الاميركية في السعودية، على الأٌقل في قاعدة الأمير سلطان الجوية حيث أصيب عدد من الجنود الأميركيين من سلاح الجو.
في الخلاصات، تعد علاقات التعاون العسكري بين السعودية والولايات المتحدة من العلاقات الاستراتيجية الطويلة الأمد التي تطورت وفقًا لتغيرات الظروف الإقليمية والدولية. في الماضي، شكلت القواعد الأميركية في السعودية جزءًا مهمًا من البنية التحتية العسكرية للمنطقة، ولكن بعد عام 2003، تغير الوضع بسبب المعارضات المحلية والتطورات الإقليمية.
أما مستقبل هذه الشراكة، فيعتمد على مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك الرأي العام المحلي، التحولات الإقليمية، وتطور القدرات العسكرية السعودية المحلية. وفي ضوء مؤشرات عديدة يبدو أن السعودية سوف تعاظم من شراكتها العسكرية مع الولايات المتحدة بعد الحرب على ايران وثبوت شراكتها في العدوان على الأخيرة، لتحقيق مصالحها الأمنية والاقتصادية، ولكنها قد تسعى في حال انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة إلى تنويع شركائها الاقليميين والدوليين. كما أن اتفاق التطبيع المحتمل مع إسرائيل قد يكون له تأثير كبير على شكل التعاون العسكري في المستقبل.
الوجود العسكري الأمريكي بعد 2003
بعد نقل مركز القيادة إلى قطر، لم يحدث “خروج كامل” من السعودية بل إعادة تعريف للوجود على النحو الآتي:
1 ـ تقليص الوجود القتالي المباشر، أي تم سحب معظم الطائرات القتالية ومراكز القيادة، وانتهى الدور السعودي كمنصة لقيادة الحروب الهجومية (كما كان في التسعينات).
2 ـ بقاء بنية “دعم + دفاع”، إذ أبقت الولايات المتحدة على:
ـ قاعدة الأمير سلطان الجوية لم تُغلق، بل تحولت إلى مركز دعم لوجستي، وموقع احتياطي (fallback base)، ومنصة يمكن “تفعيلها” عند الحاجة.
ـ أنظمة الدفاع الجوي، مثل بطاريات باتريوت وثاد، ودورها: حماية المصالح الأميركية (القواعد/النفط).
ـ وجود بشري محدود، إذ بقي عدد صغير نسبيًا من القوات. ووفق بيانات حديثة تعود الى سنة 2024، هناك حوالي 2300 جندي أميركي في السعودية، وقد تزايد العدد قبل اندلاع الحرب على ايران في فبراير 2026.
ومهمة هؤلاء هي:
ـ الدفاع الجوي
ـ تشغيل القواعد
ـ الدعم الفني
وعليه، فإن الوجود العسكري الاميركي في السعودية بعد 2003 لم يختفِ، بل تحوّل من “منصة حرب” إلى “منصة احتياط+دفاع”.
السؤال التالي: متى عاد الوجود العسكري الأمريكي وتوسّع؟
العودة بدأت تدريجيًا، خصوصًا بعد هجمات أرامكو في 2019، وتصاعد التوتر مع ايران والاستعداد للحرب عليها، وزيادة التحشيد العسكري في الخليج. ومنذاك أعادت واشنطن نشر قوات وطائرات، وأصبحت السعودية مرة أخرى موقعًا نشطًا ولكن بعيدًا عن الاعلام وبحذر سياسي.
ماذا يحدث الآن (2026)؟ ولماذا نرى طائرات بكثافة؟ بالنظر الى:
1 ـ زيادة مفاجئة في الطائرات (قبل الحرب مباشرة)، حيث أظهرت تقارير (رويترز عبر صور الأقمار الصناعية): ارتفاع عدد الطائرات في قاعدة الأمير سلطان من 27 إلى 43 طائرة خلال أيام، وشملت:
ـ طائرات تزويد بالوقود KC-135
ـ طائرات إنذار مبكر أواكس
وهذه ليست طائرات هجومية بل بنية تمكين للحرب ذات مهمات محددة:
ـ التزويد بالوقود = عمليات بعيدة
ـ إدارة المعركة الجوية عن طريق طائرات الأواكس
فماذا يعني هذا عسكريًا؟
هذا النمط يدل على:
ـ تحويل السعودية إلى “مركز دعم عملياتي” للحرب على إيران، وليس بالضرورة:
منصة انطلاق مباشرة للضربات، بل دعم الطائرات القادمة من قطر والإمارات وحاملات الطائرات.
ومن الناحية التاريخية، ساهمت فترات متناوبة في تطوير التعاون العسكري بين السعودية والولايات المتحدة، مع اختلاف طبيعة وتدرج التوسع وفقًا للمواقف والظروف الإقليمية. فيما يلي تفاصيل ذلك:
الموقف السعودي من الحرب على ايران
الجولة الأولى
في 13 يونيو 2025، بدأ العدوان الاسرائيلي على إيران، واندلعت الهجمات الأمريكية على منشآت نووية إيرانية في 22 يونيو 2025. أعربت السعودية عن “القلق العميق” ونددت بانتهاك سيادة إيران، كما دعت إلى التسوية السياسية والحد من التصعيد. كما طلبت من الولايات المتحدة عدم ضرب محطة بوشهر النووية، وهو طلب تم الوفاء به. وعلى الرغم من تأكيد المسؤولين السعوديين أن الهجمات الأمريكية لم تكن متعلقة بالمملكة، إلا أنها أظهرت وجود تنسيق محدود في بعض الجوانب.
وفي سبتمبر 2025، قادت القوات السعودية والأمريكية أكبر تدريب لمواجهة الطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط، حيث شارك أكثر من 300 فرد واستخدموا 20 نظامًا لمواجهة الطائرات المسيرة في مدى شمال شرقي السعودية. ركز التدريب على تحسين القدرات على الكشف والمتابعة والقضاء على تهديدات الطائرات الحديثة، مما يعكس التوسع في التعاون في مجال الدفاع الجوي والتصميم على التهديدات المتزايدة من الطائرات المسيرة المرتبطة بإيران وقواتها البديلة.
الجولة الثانية
في 28 فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي عملية عسكرية ضد إيران، استنادًا إلى ادعاءات بشأن برنامجها النووي وكان الهدف هو اسقاط النأم بالقوة العسكرية. وشهدت عدة مدن إيرانية هجمات جوية، وتم تدمير منازل شخصيات رسمية ومؤسسات عسكرية ومدنية.
وهنا نقف أمام معطيات جديدة حول توسّغ التعاون العسكري السعودي الاميركي، ومن أبرزها:
ـ اتفاقية الدفاع الاستراتيجية: في نوفمبر 2025، وقع البلدان اتفاقية الدفاع الاستراتيجية، والتي وضعت إطارًا متينًا للشراكة العسكرية، مع التركيز على تعميق التنسيق الدفاعي طويل الأجل وتعزيز قدرات الردع والجهود الجاهزية.
ـ توسيع استخدام القواعد العسكرية: في مارس 2026، وافقت السعودية على إتاحة قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف للقوات الأمريكية ضمن العمليات العسكرية ضد إيران، بالإضافة إلى الاستخدام المسبق لبعض المرافق. ويرجع ذلك جزئيًا إلى التصاعد في الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية والخليجية، حيث يُعد الموقع الاستراتيجي للقاعدة أقل عرضة لهجمات الطائرات المسيرة مقارنة بقاعدة الأمير سلطان، فضلاً عن قربها من مركز لوجستي رئيسي في جدة بعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز.
ـ دعم الطاقة: في 11 مارس 2026، بدأت السعودية تشغيل ميناء ينبع بكامل طاقته لتصدير النفط إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا، بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز. ويعد هذا التدخل دعمًا غير مباشر للجهود الأمريكية الإسرائيلية من خلال ضمان استمرار إمدادات الطاقة العالمية بعيدًا عن مناطق التوتر.
التناقض الظاهري: السعودية تقول “لن نسمح باستخدام أراضينا”
السعودية أبلغت إيران أنها لا تريد استخدام أراضيها للهجوم لكن الواقع أن القواعد الأميركية داخلها تُستخدم لوجستيًا، وهو فرق دقيق سياسيًا بين اطلاق الضربات أو دعم الضربات. هذا هو الخط الفاصل الذي تحاول الرياض الحفاظ عليه، وأن استهداف القاعدة يؤكد الدور الحقيقي، خصوصًا وأن الهجمات الإيرانية الأخيرة على نفس القاعدة أظهرت إصابة طائرات تزويد بالوقود، طائرات إنذار مبكر، إصابة جنود أميركيين، وهذا يعني أن إيران تعد القاعدة جزءًا فعليًا من البنية القتالية، حتى لو لم تُطلق منها الضربات.
فما هي طبيعة الوجود الأميركي الآن؟
الجواب يمكن تلخيصه بدقة على النحو الآتي:
أن القواعد العسكرية التي يتواجد فيها الأميركيون وإن لم يصدق عليها مسمى “احتلال قواعد” وأن الوجود تم بالاتفاق مع السلطات السعودية، ولكن واقع الأمر أن هذه القواعد تحت سيادة شكلية سعودية، وهذا ما لفت الانتباه إليه الرئيس الاميركي ترمب في تصريح له في 29 مارس 2026 بأن “القادة ورئيس الاركان أخبروه بوجود عوائق إذ ترفض الدول القريبة استخدام قواعدها خشية الاحراج. ثم علّق قائلًا: “استخدموها، ولن يعلموا بذلك. وهل لديهم القدرة على معرفة متى نقلع أو نهبط؟ إنهم لا يعلمون شيء”.
فالقاعدة تعمل، والقوات موجودة، والطائرات تتزايد، وهذا نموذج هجين من:
ـ وجود منخفض الظهور سياسيًا + مرتفع القيمة عسكريًا.
و لكن لماذا السعودية تحديدًا عادت مهمة برغم من وجود قطر والإمارات؟ وجواب ذلك هو:
ـ موقعها الجغرافي أعمق وأقل عرضة
ـ بنية تحتية جاهزة منذ التسعينات
ـ قربها من مسرح الخليج وإيران
في المقابل الرياض لا تريد أن تُرى كطرف مباشر، وإن كانت ترغب في الانخراط في الحرب، لذلك تعتمد على الدعم الصامت، وليس “الانخراط العلني”.
فالقواعد العسكرية في السعودية تحوّلت إلى “مركز دعم لوجستي وجوي للحرب”، وأن زيادة الطائرات العسكرية قبل الهجوم العسكري الاميركي على ايران لم يكن صدفة، بل جزء من التحضير العملياتي للحرب. كما أن استهداف قاعدة الامير سلطان دليل على أن هذا الدور يُعد فعليًا جزءًا من المعركة.
دور قاعدة الأمير سلطان في الحرب على إيران
لناحية دور قاعدة الأمير سلطان الجوية في الخرج ما قبل الحرب على العراق، كانت تمثل القاعدة المركزية للولايات المتحدة في عمليات المراقبة فوق العراق بعد حرب الخليج 1991، ضمن ما عرف بعملية المراقبة الجنوبية، حيث كانت القوات الأميركية تستخدم القاعدة لتسيير طائرات الاستطلاع والمراقبة وطائرات الدعم الجوي أواكس، KC‑135، وغيرها.
لكن عند الغزو المباشر للعراق في مارس 2003 لم تُستخدم قاعدة الأمير سلطان كنقطة انطلاق للقصف أو العمليات الهجومية، إذ أن الخطط العسكرية الأميركية ركزت على الانطلاق من الكويت وقطر والبحر الأحمر. وكانت قاعدة الظهران الجوية قاعدة أساسية قبل حرب العراق كمنصة لوجستية ونقل، واستُخدمت لتخزين المعدات العسكرية ولخدمة بعض رحلات الدعم، لكنها لم تكن مركزًا للعمليات القتالية المباشرة. أما قاعدة الملك خالد الجوية والملك عبد الله الجوية وقواعد أخرى فكان لها دور أكثر من الناحيتين الاستراتيجية واللوجستية، مثل التدريب والتخزين، وليس الإطلاق المباشر للطائرات المقاتلة أثناء الغزو. وهذا ليس الحال بطبيعة الحال، في الحرب الاميركية الاسرائيلية على ايران منذ 28 فبراير 2026 حيث تمّ استخدام تلك القواعد، ولا سيما قاعدة الامير سلطان الجوية في الخرج التي لعبت دورًا رئيسًا في الحملات الجوية على إيران، حيث نشرت وكالة رويترز في 27 فبراير، أي قبل يوم من العدوان الأميركي الاسرائيلي على ايران، تقريرًا عن تزايد عدد طائرات الدعم العسكري الاميركية في قاعدة الامير سلطان. وذكرت الوكالة:
“أظهرت صور التقطتها أقمار صناعية تزايد عدد طائرات الدعم العسكري، ومنها طائرات التزوّد بالوقود، على مدى أربعة أيام هذا الشهر في قاعدة جوية سعودية يستخدمها الجيش الأمريكي، وذلك في الوقت الذي تعزز فيه واشنطن قواتها في المنطقة وسط توتر العلاقات مع إيران”.
من هنا، لا بد أن سؤالًا كبيرًا يثار حول سبب اشاعة خبر انتقال القواعد والطائرات الحربية الاميركية الى قاعد العديد في قطر، على الرغم من وجود سنتكوم CENTCOM في السعودية؟
وهذا سؤال جوهري، لأن وجود القيادة المركزية الأمريكية في السعودية كان بمثابة “سيادة عسكرية أميركية”، ولم يكن حضورًا عسكريًا عاديًا، أي وجود بموافقة الدولة المضيفة، أو تحت قيود سيادية سعودية، ولذلك فإن أمريكا لا تنقل قواعدها بل تعيد تموضع قواتها. وما حدث فعليًا هو نقل مركز القيادة الجوي إلى قطر، مع تقليص الحضور العسكري الظاهري في السعودية، مع الإبقاء على التعاون الأمني والعسكري الأقل ظهورًا، حفاظًا على أرواح الجنود الاميركيين.
السؤال عن استخدام الأجواء السعودية في الضربات على إيران هو من أكثر النقاط حساسية، لأنه يقع في تقاطع العسكري الصِرف مع الاعتبارات السيادية والسياسية. وبعيدًا عن التصريحات العلنية، فإن الاجواء السعودية جرى انتهاكها بصور دائمة خلال الحرب على ايران من قبل الطائرات العسكرية الاميركية على أنواعها. ومع أن السعودية لا تريد أن تصنّف كمنصة هجوم، ولكن دورها اللوجستي محوري في الحرب. ومع أن السعودية تتمسك بموقف شكلي مفاده عدم السماح باستخدام الأراضي أو الأجواء لشن هجمات على إيران، ولكن يبقى السؤال التقني حاضرًا: إذًا كيف تنفذ الضربات؟ وهنا تتدخل “الهندسة العملياتية” للحرب الجوية. ويتولى أنصار السعودية الاجابة بتحميل أطراف أخرى خليجية المسؤولية ليقولوا بأن المسار الجنوبي هو الأكثر ترجيحًا، أي أن الطائرات تنطلق من قاعدة العديد الجوية (قطر)، وقواعد في الإمارات، ثم تتجه عبر الخليج، أو عبر بحر العرب، ثم تدخل المجال الإيراني. وهذا المسار بحسب هذه المزاعم لا يحتاج المرور في الأجواء السعودية. وبذلك تكون هذه العملية من الناحية السياسية “نظيفة”. وفي مقاربة أخرى، أن حاملات الطائرات هي من يتولى الهجوم، وهنا يكون دور المسار البحري، حيث تعتمد القوات الأميركية على تلك الحاملات في الخليج أو بحر العرب، وميزة هذه المقاربة أنها لا تحتاج إذن دولة، بل هناك سيادة كاملة. ولكن عيب هذه المقاربة أن تلك الحاملات لم تعد تعمل في مناطق قريبة بعد أن غادرت الخليج وأصبحت في مكان بعيد في بحر العرب وبعضها غادر المنطقة مثل جيرالد فورد، وحتى ابراهام لينكولن وقد أصيبتا بأضرار كبيرة.
وهناك المسار الشمالي، وهو شديد التعقيد ونادر الاستخدام، أي عبر العراق ولكن المجال الجوي العراقي مخترق ومعقد سياسيًا، لوجود فصائل المقاومة التي تحارب الوجود العسكري الاميركي وتعمل على إنهائه بصورة كاملة في العراق، بل وفي المنطقة عامة.
وهناك يعاد السؤال: إذًا أين يأتي دور السعودية فعليًا؟
رغم عدم استخدام الأجواء للهجوم المباشر، فإن دور السعودية محوري ولكن غير مباشر:
1 ـ “عمق لوجستي” للحرب، فقاعدة الامير سلطان الجوية تُستخدم لـ:
ـ طائرات التزويد بالوقود (KC-135 / KC-46)
ـ طائرات الإنذار المبكر (أواكس).
ـ مراكز دعم القيادة
وهذه الطائرات قد لا تدخل إيران، لكنها تجعل الضربات ممكنة، إذ تقوم بعملية توجيه الطائرات الحربية في تحديد المسار والأهداف.
2 ـ التزويد بالوقود، وهذا عنصر حاسم، فالحرب على إيران تتطلب:
ـ قطع مسافات طويلة
ـ بقاء طويل في الجو
وعليه، تصبح طائرات التزويد بالوقود “شريان الحياة” للعمليات، وأن وجودها في السعودية يعني تغطية واسعة للخليج، ودعم الطائرات القادمة من قطر/الإمارات.
3 ـ إدارة المجال الجوي، من خلال طائرات أواكس التي تضطلع بمراقبة المجال الجوي الخليجي، وتنسيق الحركة الجوية العسكرية، حتى وإن لم تنطلق الضربات العسكرية على ايران من السعودية.
والسؤال الذي ينبثق من كلام ترمب عن استخدام القواعد في المنطقة من دون علم السلطات الحاكمة، أو بعبارة أخرى استخدام “غير معلن” للأجواء، فهل ذلك ممكن؟
نظريًا وعمليًا: نعم، وإن كان محدودًا أحيانًا بحسب سير العمليات وتطوّرها، وبالتأكيد تستند إلى منحنى الحرب وكفة من ترجح فيها. مع لفت الإنتباه إلى أنّ عملية الرصد للنشاط الجوي لم يعد من الأسرار في ظل تكنولوجيا الأقمار الصناعية وأجهزة التعقب، وعليه فإن أي مرور جوي سيتم رصده بالأقمار الصناعية.
وهذا يفسر سبب استهداف ايران قاعدة الامير سلطان، لكونها منخرطة في النشاط العسكري للحرب وإن لم يكن بصورة مباشرة، ولأن ايران لا تفرّق بين: “من يطلق الضربة”، و”من يمكّنها”. ومن منظورها فإن الدعم اللوجستي يعادل المشاركة في الحرب، وهو صحيح. وذلك فإن استهداف طائرات التزويد بالوقود، وطائرات الاستطلاع، يعني ضرب “بنية الحرب” وليس فقط منصات الإطلاق. فالسعودية جزء حاسم من البنية التشغيلية للحرب. بكلمات أخرى، السعودية وإن لم تكن “قاعدة هجوم” فهي “مضاعف قوة” أو (Force Multiplier) للعمليات الأميركية.
لتفصيل ذلك، فإننا أمام ثلاث طبقات:
1) طبقة الإطلاق (Launch Layer)، فنقاط الإنطلاق الرئيسية هي:
ـ قاعدة العديد الجوية
ـ قواعد في الإمارات
ـ قواعد في الكويت
ـ قواعد في البحرين
ـ حاملات طائرات في الخليج/بحر العرب
من هنا تقلع المقاتلات (F-15 / F-35)، والقاذفات (أحيانًا من خارج المنطقة)
2 ـ طبقة الدعم (Support Layer) ـ وهنا يأتي دور السعودية، والنقطة المحورية هي قاعدة الأمير سلطان الجوية، التي تعمل بمنزلة:
ـ عقدة التزويد بالوقود
ـ مركز إنذار مبكر (أواكس)
ـ احتياط عملياتي
وهذه الطبقة لا تضرب الهدف، لكنها تجعل الضربة ممكنة، أي توفير شروط نجاح الضربات العسكرية.
3 ـ طبقة التنفيذ: المجال الجوّي الإيراني أو أطرافه (الخليج/بحر عمان)، وهنا يكون الحديث عن المسارات الجوية المحتملة، البري أو البحري. أما دور طائرات الأواكس الموجودة غالبًا في السعودية فهو:
ـ مراقبة المجال الجوي بالكامل
ـ إدارة حركة عشرات الطائرات
ـ كشف التهديدات مبكرًا
بكلمات أخرى هي بمنزلة “غرفة التحكم الطائرة”.
أما لماذا لا تمر الطائرات الحربية الاميركية فوق السعودية مباشرة، فالحجة العلنية هو تجنب إحراج السعودية، وثانيًا لوجود بدائل أخرى خليجية أو بحرية، ولكن هذه الحجة غير مقنعة بالنسبة إلى إيران، لأن تقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي هو في حد ذاته انخراط كامل في الحرب، وثانيًا إن مجرد الاعتماد على دول خليجية أخرى كبدائل لا يقلل من مسؤولية السعودية، لأن الترابط بين كل هذه الدول في نظام دفاعي وأمني مشترك يضع الجميع في خضم الحرب وليس على هامشها.
فالمعادلة هي على النحو الآتي: قطر منصة إطلاق، والسعودية محطة طاقة (وقود+قيادة)، والخليج ممر عبور، وايران هي منطقة الهدف، وعليه فإن الاستنتاج الأهم هو: السعودية ليست في “خط الطيران الأمامي”، لكنها في “خط بقاء الطائرات في الجو” وهذا أهم أحيانًا من الإقلاع نفسه. ولبيان أهمية ذلك، يطرح السؤال المحوري:
ماذا يحدث لو تم تحييد قاعدة الأمير سلطان بالكامل؟
إن تحييد قاعدة الأمير سلطان الجوية لا يعني “إيقاف الحرب”، لكنه يضرب عقدة تمكين حرجة. لفهم الأثر بدقة، أنظر إلى ما الذي يُفقد فورًا، ثم كيف تُعوِّض الولايات المتحدة، وأخيرًا ما الذي يتدهور عملياتيًا.
أول ما يفقد وخلال يوم الى ثلاثة أيام هو التزويد بالوقود، وخسارة عقدة قريبة نسبيًا من مسرح العمليات، وانخفاض مفاجئ في معدّل الطلعات ومدى البقاء في الجو، وتعقيد تخطيط المسارات (تحتاج نقاط تزوّد أبعد).
أما على مستوى الانذار المبكرة والسيطرة، فسيكون هناك تراجع في جودة الصورة الجوية المشتركة فوق الخليج، وإداة أصعب لحركة عشرات الطائرات في آن واحد.
وعلى مستوى الاحتياطي التشغيلي، فسيكون هناك فقدان لقاعدة “امتصاص الضغط” عند الذروة أو الطوارىء.
فكيف سيكون تعويض ذلك؟ ان اللجوء الى قواعد بديلة في قطر أو الامارات أو حاملة الطائرات لن يكون كافيًا. إذ سوف ينعكس خروج قاعدة الامير سلطان الجوية على الكفاءة التشغيلية، وزيادة زمن الطلعة، وانخفاض عدد الطلعات اليومية لنفس الأسطول، وكذلك “زمن الإستجابة”، حيث تكون هناك صعوبة تنفيذ ضربات سريعة/طارئة، وفجوات زمنية أطول بين موجات الهجوم، وكذلك الاستدامة، حيث يكون هناك استهلاك أعلى للوقود الجوي، وضغط أكبر على الطواقم والمنصات. أما على الوعي الميداني، فسوف يكون هناك اعتماد أكبر على منصات بديلة للإنذار المبكر (أبعد/أقل مثالية).
من الناحية الاستراتيجية، فإن تحييد قاعدة الامير سلطان قد يتسبب في تعطيل النشاط العسكري الجوي الاميركي وإن لم يتسبب بشلله بصورة نهائية. فسوف يخفض الوتيرة والكفاءة، لكنه لا يُسقط القدرة. وبالنسبة إلى المهاجم سوف يرفع التعطيل كلفة كل طلعة جوية، وسوف يقلل من كثافة الضربات في المدى القريب.
في الخلاصات، فإن تعطيل قاعدة الأمير سلطان الجوية يعني عمليات أبطأ، أقل كثافة، وأكثر كلفة.
ولمعرفة أهمية قاعدة الامير سلطان، يمكن النظر في خط الأساس قبل التحييد، إذ أن وجود القاعدة يوفّر:
ـ نقطة تزوّد قريبة نسبيًا من مسرح العمليات
ـ تقليل مسافة الذهاب/العودة
ـ زيادة “زمن البقاء فوق الهدف”
نموذج مبسط لطلعة واحدة:
ـ مسافة الطيران (ذهاب + عودة + داخل العمليات): 3000–4000 كم
ـ عدد مرات التزوّد: 1–2
ـ زمن البقاء فوق الهدف: 60 ـ 90 دقيقة
المعدل التقريبي:
كل طائرة مقاتلة يمكنها تنفيذ:
ـ 1.2ـ – 1.5 طلعة يوميًا (بالمتوسط)
ـ السرب (12 طائرة):
ـ 15ـ 18 طلعة يوميًا
ولكن بعد تحييد القاعدة، سوف يتم ازالة عقدة التزوّد القريبة، ونقلها إلى قاعدة العديد الجوية في قطر، أو مواقع أبعد (الخليج/بحر العرب)، وربما أبعد من ذلك (جزيرة دييغوجارسيا التي دخلت بعد ثلاثة أسابيع من الحرب). وسوف يكون لذلك تأثيرات رقمية مباشرة مثل زيادة المسافة الفعالة، وزيادة الحاجة للتزوّد بالوقود، وتقليص زمن البقاء فوق الهدف، وينخفض عدد الطلعات الى النصف، وسوف تكون الخسارة على النحو الآتي:
ـ 6 إلى 8 طلعات يوميًا لكل سرب
ـ تأثير على “كثافة الضربات”
ليس فقط العدد، بل أيضًا:
ـ تباعد الموجات الجوية، فبدلًا من موجات متقاربة تصبح الموجات متباعدة زمنيًا.
ـ تقليل “الضغط المستمر”، حيث ستكون هنا صعوبة في إبقاء طائرات فوق الهدف بشكل دائم.
ـ اعتماد أكبر على: ضربات دقيقة أقل عددًا بدل القصف المكثف المستمر.
وفي هذه الحالة، سوف تكون طائرات التزود بالوقود هي العامل الأكثر تضررًا.
فبدون قاعد الأمير سلطان الجوية سوف تقضي كل طائرة من نوع KC-135 وقتًا أطول في الوصول إلى نقطة التزوّد، والعودة. ونتيجة ذلك، نفس عدد الطائرات ولكن قدرة تزوّد أقل فعليًا. والتقدير هو: انخفاض كفاءة أسطول التزوّد بنحو 25% – 40%. وفي المحصلة النهائية، فإن تحييد قاعدة الأمير سلطان الجوية يؤدي إلى:
ـ انخفاض الطلعات اليومية بنسبة ما بين 30% ـ 45%.
ـ وانخفاض في زمن البقاء فوق الهدف بنسبة ما بين 40% ـ 60%.
ـ وانخفاض في كفاءة التزوّد بالوقود بنسبة ما بين 25% ـ 40%.
وفي صياغة عسكرية مكثفة، فإن القاعدة لا تحدد “القدرة على الضرب” ولكنها تحدد معدل الضرب واستمراريته. فعندما تفقد عقدة مثل قاعدة الأمير سلطان الجوية لا تختفي الضربات، لكنها تتحول من نظام ضغط مستمر إلى نبضات ضرب متقطعة.





